المؤمنين ، وباب مدينة العلم ، وإمام الراسخين ، ولا كانت عند ابن عباس المُسَمَّى بالبحر والحَبْرِ خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس ، ولا فرَّقَ عبدُ الله بن عمر وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين حال أهل الكبائر قبل نزولها وبعده ، وإنما ذكر الصحابة معه لأنه قال : كنا ، وهذه العبارة تقتضي رواية إجماع الصحابة عند أهل العلم ، وقد روى الزمخشري من هذه الآثار الثلاثة أثر ابن عباس فإن كان باطلاً ، فما ينبغي له أن يرويه ، ويسكُتَ عنه في كتابٍ سماه تفسيراً لكلام الله الحق الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يُدْخِلَ في تفسيره شيئاً من الباطل ، وإن كان حقَّاً ، لَزِمَه ألاَّ يخالفَ معناه ومفهومه بالتأويلات المتعسَّفة ، والتمحُّلات المُتَكَلَّفة ، وما أشد مراء في ادعى أن هذه الآية لا تدل على التفرقة بين الشرك وما دونه ولا تخص الشرك بشيءٍ من التغليظ ، ولا يُفْهَمُ منها أن ما دونه يختص بنوعٍ من التخفيف ، وقد أردف الله تعالى هاتين الآيتين معاً بما يدلُّ على ما ذكرته ، فقال عقيب الأولى : { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } [ النساء : 48 ] ، وقال عقيب الثانية : { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } [ النساء : 116 ] ، وهذا يضطرُّ العاقل مع النصِّ المُكَرَّرِ فيهما المؤكد أن المرادَ بالفرق بين الشرك وما دونه ، وأن الشركَ لكونه أغلظ مما دونه وأقبح وأفحش وأنكر ، استحق زيادة تغليظٍ في العقوبة ، والتشديد في الوعيد ، والامتياز في الحكم المُغَلَّظِ في الدنيا والآخرة .
وكيف يَصَحُّ في الأذهانِ شيءٌ . . . متى احتاج النهارُ إلى دليلِ ( 1 )
ولكن القصد التقرب إلى الله بتفهيم من أضرب عن تأمُّلِ ( 2 ) الجَليَّات وتذكير من غَفَلَ عن الضروريات .
الوجة الثاني : أن توجيه النفي إلى قوله : { لمن يشاء } ، يُفْسِدُ المعنى ، لأن أهل البلاغة لا يقولون في من يعفو عن بعض المذنبين دون بعض على
هامش
( 1 ) هو للمتنبي ديوانه 3 / 92 بشرح العكبري .
( 2 ) في ( ش ) : " عن من تأمل " .