تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
قلت : الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجَّهين إلى قوله : { لِمَنْ يَشَاءُ } ، كأنه قيل : إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك ، على أن المراد بالأول من لم يتُبْ ، وبالثاني : من تابَ ، ونظيره قولُك : إن الأمير لا يبذُلُ الدينار ، ويبذل القنطار لمن يشاء ، يريد : لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ، ويبذل القنطار لمن يستأهله . انتهى بحروفه . ولو كان ممن لا يعرف العربية والمعاني والبيان لَعيبَ عليه هذا ، كيفَ وهو من أئمةِ هذا العلم بلا خلافٍ ! . ولنتكلمْ على إيضاح غَلَطِه الذي لا يخفى على من هو دونه في تأويله وتمثيله . أمَّا تأويله : فالجواب عليه من وجوه : الوجه الأول : أن محصول كلامه أنه لا فَرْقَ بين الشرك وغيره في هذه الآية ، فإن الشرك لا يُغْفَرُ إلاَّ مع التوبة ، وكذلك ما دونه ، وهما كلاهما لا يُغفران من غير توبة ، وهذا حاصلُ كلامه على ما نُقرره . والآية قاضيةٌ بالتفرقة بين الشرك وما دونه كما يقضي بذلك كلُّ ذَوْقٍ سليم ، وفهم مستقيم ، ولو كانت كما زَعَمَ لكان صواب التعبير عن ذلك عند كُلِّ من يعرفُ لسان العرب : إنَّ الله لا يغفر لمن لا يتوب ، ويغفر لمن يتوب ، أو : إن الله يغفر لمن يشاء ، ويعذِّب من يشاء ، كما قال في غير آيةٍ من دونِ فرقٍ بين الشرك وغيره ، ألا ترى كيف قال سبحانه حيث أراد المغفرة بالتوبة : { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } [ الزمر : 53 ] ، ولم يُفَرِّقْ بين شركٍ وغيره ، ولذلك قال بعدها لرفع الالتباس : { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَاب } [ الزمر : 54 ] ، فلمَّا فرَّق بين الشرك وما دونه في المغفرة لم يكن ذلك موجهاً إلاَّ إلى التوبة ، ولذلك قال أهل التفسير : إن هذه الآية في مغفرة الآخرة بالتفَضُّلِ ، وتلكَ في مغفرة