الأدلة أن لعن أهل الكبائر جائزٌ ، بل قد وقع من أرحم الخلق وأشفقهم ، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شفيع الخلائق وسيد ولد آدم ، وذلك لِمَا فيه من زجر الناس أن يرتكبوا ما ارتكب أولئك الذين استحقوا اللعنة ، فكيف يقال : إنَّ من لعن مسلماً على الإطلاق ، وإن كان فاسقاً ، فهو الملعون .
أفلا يخاف صاحب هذا الكلام أن يكون تناول ( 1 ) باللعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخيار الصحابة وخيار المؤمنين .
فحاشا مقام الإمام الغزالي من مثل هذه الجهالة الشنيعة ، والبدعة البديعة .
وأما احتجاج صاحب تلك الفتوى على ذلك بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " المؤمن ليس باللعان " ( 2 ) ، فالجواب من وجهين :
الوجه الأول : أنه لا يدل على تحريم لعن أحدٍ بعينه ، بل هو مطلقٌ ، وقد فسَّره صاحب الشريعة ، فأجاز لعن الظالمين والكافرين ونحوهم ، فدلَّ على أن التحريم منصرفٌ إلى المؤمنين القائمين بفرائض الإيمان ، الحافظين لأنفسهم ( 3 ) عن انتهاك محارمه ، وتعدِّي حدوده .
الوجه الثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى أن يكون المؤمن لعَّاناً ، وليس اللعان من لعن بعض العُصاة غضباً لله تعالى ، وزجراً لأهل المعاصي في بعض الأحوال ، كما فعل ذلك ( 4 ) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وغير واحد من فضلاء الصحابة ( 5 ) ، وإنما
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " يتناول " .
( 2 ) أخرجه من حديث ابن مسعود أحمد 1 / 404 و 405 و 416 ، وابن أبي شيبة 11 / 18 ، والبخاري في " الأدب المفرد " ( 312 ) و ( 332 ) ، والترمذي ( 1977 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 10483 ) ، وصححه ابن حبان ( 192 ) ، والحاكم 1 / 12 ، ووافقه الذهبي .
( 3 ) في ( ش ) : " أنفسهم " .
( 4 ) " ذلك " ساقطة من ( ش ) .
( 5 ) في ( د ) : " أصحابه " .