تأويل الحديث ليوافق مذهبه ، وإنما يجوز التأويل عند الضرورة على ما هو مفصَّلٌ في مواضعه .
فأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة رضي الله عنها : " فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه من أمتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ ( 1 ) ، فليس ذلك يدلُّ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يلعن من ليس لذلك بأهلٍ ، لأن ظاهر أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - الإباحة ، وحديث عائشة هذا ليس فيه ذكر اللعن ، وإنما ورد على سببٍ مخصُوصٍ ، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتيمة أُم سلمة : " لا كبِرَتْ سِنُّك " ( 2 ) وظاهر هذا الدعاء الإباحة وإن لم تكن اليتيمة أهلاً له ، فليس ذلك دالاًّ على تحريمه ، وليس يجوز القول بأن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرَّمٌ إلاَّ بدليلٍ واضحٍ ( 3 ) ، و ( 4 ) على أن الصحيح أيضاً عند كثيرٍ من العلماء أنه لا يجوز تعمُّد الصغائر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
الوجه الثالث : ما روى مسلمٌ في " صحيحه " ( 5 ) عن جابرٍ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى حماراً قد وُسِمَ في وجهه ، فقال : " لعن الله الذي وسمه " وهذا نص في موضع النزاع وفيه ما يرُدُّ على قول الغزالي المقدم في الوجه قبله ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علق اللعن بوسم الوجه ، فدل على أنه العلة في جواز اللعن ، كما إذا قال : من أحدث فليتوضأ ، فإنه يعلم أن الحدث هو علَّةُ الوضوء ، وذلك معروفٌ في فن ( 6 ) الأصول .
هامش
( 1 ) حديث عائشة أخرجه مسلم ( 2600 ) ، وليس فيه قوله - صلى الله عليه وسلم - : " ليس لها باهل " . إنما هو في حديث أنس الذي أخرجه مسلم برقم ( 2603 ) . وانظر ابن حبان ( 6514 ) ، والتعليق الآتي .
( 2 ) انظر التعليق السابق ، وحديث عائشة كما رواه مسلم ، قالت : دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلان ، فكلماه بشيء لا أدري ما هو ، فأغضباه ، فلعنهما وسبهما . . .
( 3 ) عبارة " محرم إلاَّ بدليل واضح " ساقطة من ( د ) .
( 4 ) الواو ساقطة من ( ف ) .
( 5 ) برقم ( 2217 ) . وأخرجه أيضاً ابن حبان ( 5628 ) ، والبيهقي 7 / 35 .
( 6 ) " فن " ساقطة من ( ف ) .