أنه كان في المنام قول أنس مرفوعاً في حديث المعراج : " ثم دنا الجبار تعالى فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى " ( 1 ) .
ومنه أحد الأحاديث المتعارضة في وصف الدَّجال ، وهو حديث ابنِ عمر المتفق على صحته ( 2 ) .
وعلى كلا القولين ، فهي رؤيا نبوةٍ ورؤيا حقٍّ ، كان فيها إثبات التكليف بالصلوات ، ورفع منار المناقب النبويات .
وإنما سقتُ الكلام في هذا الوجود الحسِّيِّ ، وبسطت فيه ، لأن بعض الأشاعرة والصوفية قد ضاقت عليه المسالك في تأويل تلك الأحاديث التي رواها السيد ، فَتَمَحَّلَ في تأويلها وأبعد ، فجعلها من هذا القبيل ، وزعم أنه يحصل يوم القيامة من روعة الأهوال ما يُدهش العقول ويذهلها ، كما قال تعالى : { وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } [ الحج : 2 ] ، وإن أدنى الآلام تُغَيِّر العقول ، فكيف بأهوال الآخرة ؟
قال : ففي خلال تلك الأهوال تَذْهَلُ العقول ، ويرى الناس ذلك الذي جاء في الحديث كما قال عليه السلام مثلما يرى النائم والمريض الشيء من غيرِ حقيقةٍ .
قال : والسببُ في رؤيتهم لذلك أن أهوال القيامة لما غَمَرَتْ عقولهم في
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 7517 ) ، وأبو عوانة 1 / 125 و 135 من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن أنس بن مالك ، وفي رواية شريك هذه أشياء انفرد بها ، لم يتابعه عليها أحد من الحفاظ الأثبات الذين رووا حديث الإسراء وقالوا : إنه اضطرب في حديثه هذا عن أنس ، وقال الحافظ في " الفتح " 13 / 485 . ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين عشرة أشياء ، بل تزيد على ذلك ، ثم ذكرها ، وذكر منها قوله : إن الإسراء كان مناماً ، ونسبة الدنو والتولي إلى الله عز وجل ، والمشهور أنه جبريل عليه السلام .
( 2 ) البخاري ( 1354 ) و ( 1355 ) ، ومسلم ( 2930 ) وهو عند ابن حبان ( 6785 ) وانظر تمام تخريجه فيه .