بعض الأحوال ، وكان التفكر في خطاب الله تعالى ، وما يقول لهم ، وما يكون منهم ملء قلوبهم ، رأوا ذلك في خلال غمرات الألم ، لاهتمامهم بذلك في حال استقامة العقل : قال : ولا يلزم على هذا التأويل أن يجوز في سائر أحوال القيامة أن يكون من هذا القبيل لوجوه :
أحدها : لأنه معلومٌ من الدين ضرورة أن وجود تلك الأحوال ( 1 ) كلها ذاتي حقيقيٌّ .
الثاني : إجماع المسلمين على ذلك .
الثالث : أنا بيَّنَّا أنه لا يجوز المصير إلى التأويل إلاَّ لضرورةٍ ، ولا ضرورة هناك ، والضرورة هنا ألجأت إلى التأويل ، مثل ما أولنا كثيراً من تلك الأحاديث التي مر ذكرها ، ولم نُؤول سائر أحواله عليه السلام بالمنام .
وأقول كما قال العلامة رحمه الله تعالى : هذا من ضيق العَطَن ، والمسافرة عن علم البيان مسافة أعوامٍ ، وكأنه توهم في هذه الأحاديث ما توهم السيد من تعذُّر بيانها من أساليب العرب في المجاز ، فرَكِبَ الصعب والذُّلول في تأويله ، وتقحَّم المسالك المتوعِّرة في تعليله ، وسوف يأتي أن الأمر أقرب من ذلك ، ولله الحمد .
المرتبة الثالثة : الوجود الخيالي ، وهو صورة هذه ( 2 ) المحسوسات ، إذا غابت في حسِّك ، فإنك تقدِرُ على أن تخترع في خيالك صورة فيلٍ أو فرسٍ أو بعيرٍ ، وإن كنت مُطبِقاً عينيك ، حتى كأنك تشاهده وهو موجودٌ بكمال صورته في دماغك ، لا في الخارج ، وقد يمكنك أن تخترع صورةً في خيالك ليست في الوجود ، ولكنها مجموعةٌ من أشياء موجودةٍ ، مثل قصرٍ عظيم من جوهرةٍ شفافةٍ ، وقد وردت اللُّغة بالتشبيه بهذا . قيل : ومنه قوله تعالى : { طَلْعُهَا كأنه رؤوس الشياطين } [ الصافات : 65 ] ، فرؤوس الشياطين غير معروفةٍ في الوجود ، ولكن
هامش
( 1 ) في ( ف ) : " الأمور " .
( 2 ) " لهذه " ساقطة من ( ش ) .