تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
وفي كلاماته عليه السلام لأصحابه من هذا شيءٌ كثير . ومنه ( 1 ) قول الخطيب : نسينا كل واعظةٍ ، وأمِنَّا كُلَّ جائحة ، فهذا لو كان ( 2 ) على حقيقته ، كان كذباً ينقُض الوضوء على المذهب . وقول الخطيب أيضاً : كأن الحق فيها على غيرنا وجب ، ولو كان على حقيقته ، كان جرحاً ، لأن هذا الكلام لا يصدُق إلاَّ على من يضيع الواجب ، ومن كان محافظاً عليه ، لا يقال : إنه كمن لم يجب عليه واجب ، وإنما ذكرت هذه الجملة ، لأن السيد احتج على جرح الزهري بأشياء من جملتها موعظةٌ كتبها إليه بعضُ إخوانه في الله ، وقد غفل السيد في الاحتجاج هذا على الجرح لوجوهٍ : أولها : أن ذلك لا يدل على الجرح حتَّى يظهر من الواعظ اعتقاد فسق الموعوظ أو تأثيمه ، لكنا قد بيَّنا ما يقتضي خلافه ، فإن الوُعَّاظ ، وإن لم يعتقدوا قُبح ( 3 ) الشيء ولا إثم فاعله ، فإنهم يُوردون من قوارع الوعظ وزواجر التذكير ما يُريك وقوع المكروهات من أهل العقول الراجحة في أرفع مراتب القبح تنفيراً عن سَفْسَاف الأمور وترغيباً في معاليها . وثانيها : إنا وإن سلمنا دلالة الموعظة على استقباح الواعظ للفعل ( 4 ) على الحقيقة ، لكن لا نسلِّم أنه استقباحٌ قطعيٌّ ، فقد يعتقد الواعظ تحريم الشيء ، لأن عنده أنه حرامٌ بالنظر إلى اجتهاده ، وهو لا يدري ما مذهبُ صاحبه فيه ، فيزجره عنه زجر معتقدٍ للتحريم ، ولو سُئِلَ عن تأثيم الموعوط ، لتوقَّف فيه حتَّى يدري بعذره ، فإذا أخبره ( 5 ) أنه يستحلُّه ، وبين له الوجه ، عَذَرَهُ . وثالثها : أنا وإن سلمنا اعتقاد الواعظ لقبح الشيء على سبيل القطع ، لم يكن لنا أن نقلِّده في استقباحه ، وإنما نقبله في أن ذلك القبيح وقع من
هامش
( 1 ) " ومنه " ساقطة من ( ف ) . ( 2 ) في ( ش ) : " ولو كان " . ( 3 ) في ( ش ) : " قبيح " . ( 4 ) تحرفت في ( ف ) إلى : " للعقل " . ( 5 ) في ( ف ) : " أخبرته " .