تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
السلام وجميع الصحابة ، فإنهم أقاموا في المدينة ، والحكم فيها لمعاوية ، وهذا حجةٌ على قول الشيعة والمعتزلة ، وفي مذهب أهل الحديث فيه ما تقدم من نقل القرطبي ، وكذلك علي بن الحسين وولده الباقر وزيد بن عليٍّ وحفيده جعفر الصادق وأمثالهم من الأعلام ، وهذا حجة على قول الجميع ، ولم يكن عذرهم في ذلك ما يتوهمه بعض الناس من العجز عن الهجرة ، وعدم وجدان مهاجر ، فهذا لا يكون أصلاً ، وقد أخبر الله تعالى إن من يُهاجر يجد في الأرض مُراغماً كثيراً وسَعَةً ، وردَّ الله على من اعتذر بهذا ، حيث قال : { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا } [ النساء : 97 ] وفي الأرض من شواهق الجبال وبُطون الأودية ما لا تصله الظلمة ، والسكون فيها ممكن مقدورٌ ، بل هو الذي عليه أهل الوَبَر ، وفي الحديث الصحيح : " يُوشك أن يكون خير مال الرجل المسلم غنمٌ يتبع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القطر ، يفرُّ بدينه من الفتن " ( 1 ) ، ولهذا ، فإن القاسم ويحيى عليهما السلام لما اعتقدا وجوب ذلك أمكنهما . ونص في " الأحكام " على وجوب الهجرة إلى مناكب الأرض وحيث لا يرى ظالماً ، وأنه إذا كان له أولادٌ ، ولم يقدر على المهاجرة بهم ، تكسَّب لهم ما يكفيهم مدة معلومةً شهراً أو نحوه ، ثم يخرج بنفسه ويهاجر حتى يعرف أن قُوتَهم قد فرغ ، ثم يعود ، فيتكسَّب لهم ، هكذا نص عليه في " الأحكام " أو كما قال عليه السلام . فلو ذهبنا نجرح من خالف المذهب ، أو خالف الجمهور ، لم يسلم من النفاق إلاَّ النادر ، وذلك النادر أيضاً لا يروي عن من هو مثله ، ألا ترى الهادي عليه السلام لا يمكنه أن لا يروي الحديث إلاَّ عن من هاجر من ديار الفاسقين ، ولا يمكننا أن يكون بيننا وبينه عليه السلام مثله في الفضل والورع . فثبت أن الإعانة للظلمة إذا وقعت ممن يستحلُّها ، لم يجرح بها ، سواءٌ
هامش
( 1 ) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري مالك 2 / 970 ، والبخاري ( 19 ) و ( 3300 ) و ( 3600 ) و ( 6495 ) و ( 7088 ) ، وأبو داود ( 4267 ) ، والنسائي 8 / 123 - 124 .