فالقطعي منها : هو أن يُعين الظالم بالمال أو نحوه ، قاصداً بذلك أن يتمكَّن الظالم بسبب إعانته له من الظلم وفعل الحرام ، أو يكون مباشراً للمعصية بنفسه ، كمن يقاتل معهم المسلمين ، ويقبضُ لهم الأموال ، من المعاقبين ، أو يأمر بذلك . فأما من لم يفعل المعصية بنفسه ، ولا أمر بها ، ولا قصدَ الإعانةَ عليها ، فإنه لا يُسَمَّى مُعيناً لهم ، فإن قوي لبعض العلماء أنه معينٌ لهم ، كان ذلك على سبيل الظن والاجتهاد الذي لا يُقْدَحُ به على مخالفه ، ولهذا اختلف العلماء في مسائل الاجتهاد ( 1 ) مما يتعلق بهذا الباب ، منها بيع السلاح والخيل من المحاربين للإمام والمفسدين في الأرض ، والخلاف في ذلك معروفٌ . وممن أجاز ذلك : الأمير الحسين بن محمد صاحب " شفاء الأوام " .
وقد أجمع العلماء على جواز صُوَرٍ من هذا القبيل ، مثل : صلة الوالدين العاصيين ، فقد أمر الله بمصاحبتهما في الدنيا معروفاً ، وإن كانا مشركين ، فلا خلاف أنه يجوز للولد أن يطعِمَهما ويكسوهما ، وإن كان يظن أنه إذا تركهما ، قتلهما بالجوع والبرد ، وإن طعمه لهما في بقائهما الذي هو سببٌ في معاصيهما ، وكذلك يجوز للإنسان أن يبيع طعامه من العاصي ، وإن كان يعرف أن العاصي إذا أكل ذلك الطعام يقوى بأكله على فعل كثيرٍ من المعاصي .
ومن ها هنا لم يكن الله تعالى مُعيناً على المعاصي لما كان غير مريدٍ للإعانة عليها ، وإن كان قد خلق ما هو عونٌ عليها من الأرزاق الواسعة التي يسوقها إلى العُصاة ، وقوة الأبدان وصحتها ، وقد تختلف الظنون فيما ليس بقطعيٍّ من الإعانة ، ويقع الاختلاف في صُورتين :
إحداهما : في أن الشيء محرَّمٌ أم لا ، مثاله : بيع السلاح من البغاة فقد يظن المجتهد أنه لا يحرُم من غير قصدٍ لإعانتهم ، فيخالف في جواز ذلك ، وإن ظن أن السلاح يعينهم .
هامش
( 1 ) " الاجتهاد " ساقطة من ( د ) و ( ف ) .