ويأتي بيانُ قول الحنفية ، واختيار الزنجاني ( 1 ) من الشافعية ، وأبي الخطاب ( 2 ) من الحنابلة من التفصيل ، وقول الزركشي من الشافعية : إنه المنصور ثبوته في الفِطرة وآيات القرآن ، وسلامته من الوهن والتناقض ( 3 ) .
قلت : وهذا الرازي - على غُلُوِّه في إبطاله - رجع إلى الاعتراف به في المعنى ، لكن سمَّى الحُسْنَ كالعلم ، والصدق صفة كمالٍ ، والقبيح كالجهل ، والكَذِبَ صفة نقصٍ ، وليس الخلاف عنده إلاَّ في استحقاق صفة النقص هذه للعقاب في الآخرة ، والذَّمِّ في الدنيا بمجرد العقل ، وبذلك استدل على منع الكذب على الله سبحانه .
نعم ، لو سلَّمنا ترك التحسين والتقبيح عقلاً بالمرَّة ، جوَّزنا ما ذكره تجويزاً من غير قطعٍ ، لكن يصعُبُ الاستدلال على أن الله سبحانه صادقٌ .
وفيما قدمناه من السمع دلائلٌ واضحةٌ على ثبوت التحسين العقلي ، كقوله تعالى : { سَاءَ ما يَحْكُمُونَ } [ العنكبوت : 4 ] ، وقوله : { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [ القلم : 35 - 36 ] ، وقوله في جواب الملائكة : { إنِّي أعلم ما لا تعلمون } [ البقرة : 30 ] ، { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ } [ النساء : 147 ] .
ومن أحسنها دليلاً على ذلك : قصة الخَضِر وموسى وقوله في جواب الملائكة : { إنِّي أعلم ما لا تعلمون } ، ولم يقل : إنه لا حكمة له ( 4 ) كما تظنُّون ،
هامش
( 1 ) تحرف في ( أ ) إلى : " الريحاني " ، وهو أسعد بن علي الزنجاني ، تقدمت ترجمته 5 / 164 .
( 2 ) تحرفت في ( أ ) و ( ش ) إلى : " ابن " وأبو الخطاب : هو : محفوظ بن أحمد بن حسن الكلواذاني . تقدمت ترجمته 5 / 164 .
( 3 ) انظر الوهم الثاني والثلاثين ( 8 / 3 ) ، وتقدمت الإشارة إلى هذا في آخر الوهم السابع والعشرين ( 5 / 164 ) .
( 4 ) في ( ش ) : " لي " .