ولو سلمنا جميع ذلك ، لم نسلِّم تسمية الرب القادر على كل شيء بغير مشقة محتاجاً إلى إيجاد مراده بغير مشقةٍ تلحقه في الإيجاد ، فإنه لا معنى للغني في صحيح اللغة ، وفِطَرِ العقلاء وعُرفِ أهل الشرائع ، إلاَّ القدرة التامَّة على كل مرادٍ من غير مشقة ، ولا استعانةٍ بأحد ، ولو كان الغني هو الذي أراد الرازي من عدم الداعي ، لزم أن يكون الجماد ، بل المعدوم ، أغنى من الله - تعالى عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً - لأن استحالة الداعي في الجماد والمعدوم على زعمهم .
وبعد ، فالمخالف في هذا من المسلمين لا يخلو : إما أن يثبت إرادة الله تعالى ، أو لا .
إن لم يثبتها ، عطَّل السمع ، وخالف إجماع من يعتدُّ به .
وإن أثبتها ، فإما أن يثبتها مثل إرادة المخلوقين ، لزمه إن الله محتاجٌ ، فإن المخلوق لا يريد إلاَّ ما له فيه منفعةٌ أو دفع مضرةٍ .
وإن قال : إن إرادة الله تعالى غير مُشَبَّهَةٍ بإرادة المخلوقين ، كذاته وجميع صفاته ، فكذلك يقول في الداعي : إن له سبحانه داعي حكمةٍ في أفعاله ، وإنه ليس لجلب نفعٍ له ، ولا دفع ضررٍ عنه ، ولا يلزمه تشبيهه بدواعي المخلوقين ، وما الذي خصَّ الداعي بأنه يكون مشبهاً دون الذات وسائر الصفات ، وقد قام الدليل على نفي التشبيه من كل شيءٍ يتعلق بالرب جل جلاله .
الثالثة : قال الرازي : لو فعل الله لغرضٍ ، لكان إمَّا أن يُمْكِنَه تحصيل ذلك الغرض بدون ذلك الفعل كان التَّوسُّل بتلك الوسيلة عبثاً ، وإن لم يمكن ، كان ذلك الغرض مشروطاً بتلك الوسيلة ، وذلك باطلٌ ، لأن أكثر المقاصد إنما تحصُلُ بعد انقضاء تلك الوسائل ، وحصوله بعد عدمه يمنع كونه شرطاً فيه .
والجواب : أنه قادرٌ بغير وسيلةٍ .
قوله : تكون الوسيلة عبثاً ، غير مسلَّمٍ للقطع بجواز أن يكون الشيء على سببٍ أوَّليٍّ في الحكمة ، والله تعالى يعلم من وجوه الحكمة ما لا نعلمه ، لا سيما
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 320
مساهمون: شعيب الأرنؤوط
ص٣٢٠