قلنا : هذا الاحتمالُ صحيحٌ ، ولسنا نستقوي هذه المسألة ، ولكنا نرى الاحتمال الذي معهم ، فوجب أن يُجْعَلُوا من أهل التأويل ، فلا يُكَفَّرُوا ، ولا نقطع بعنادهم . ومما يقوي مثل هذا - أعني عدم تكفيرهم والقطع بعنادهم ( 1 ) - وورود ما يشتبه في السمع من هذا القبيل ، كقوله تعالى : { وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ } [ الأنفال : 23 ] فإنه ترك الإسماع لهم مؤاخذةً بما ( 2 ) عَلِمَ من عدم استماعهم لو أسمعهم .
وكذا ما يظهر قبل التأمل من قوله تعالى : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } ( 3 ) [ الإسراء : 16 ] ، فإن الله تعالى أراد الهلاك قبل الأمر لما سبق في علمه من فسقهم بعد ، فقدم الإرادة قبل استحقاقهم ، والقوي ( 4 ) خلاف هذا عندي ، وليس هذا موضع بسطه ، وإنما قصدتُ إيراد هذه الأشياء لبيان أنهم من أهل التأويل ، وليس هذا كمن يقول : إن الله يعذِّبُ بمجرد سبق علمه بالتعذيب من غير علمٍ بذنبٍ مستقبلٍ كما ذكرنا في مسألة الدواعي ، فتأمل الفرق بينهما .
وأهل هذا القول الثالث يريدون أن خلق الفعل وإبلاغ التكليف من قبيلِ الزيادة في الإعذار من الله تعالى ، وإلا فعلمه ( 5 ) سبحانه الحق الذي يعلم الكل يوم القيامة أنه حقٌّ كافٍ في إقامة الحجة . بل قد تقدم أنه يجوز أن يكون الله عَلِمَ أن في عذاب أهل النار حكمةً غير الجزاء على الذنوب ، كالحكمة في إيلام الأطفال والبهائم ، بل مرَّ تقرير الدليل على رجحان مثل ذلك ، لأن حُسْنَ التعذيب من قبيل الإباحة التي لا رُجحان فيها ، والله يتنزَّه عن فعل ذلك ، لأنه عبثٌ .
هامش
( 1 ) من قوله : " ومما يقوي " إلى هنا سقط من ( أ ) .
( 2 ) في ( أ ) : " فما " .
( 3 ) من قوله : " وكذا ما يظهر " إلى هنا سقط من ( ش ) .
( 4 ) في ( ش ) : " والقول " .
( 5 ) في ( ش ) : " فعلمه السابق " .