بلَّغكم ؟ فيقولون : لا ، ما جاءنا مِنْ شيءٍ " .
والحديث له في كتاب الله أعظم شاهدٍ ، وهو ما حكى الله تعالى من قولِ الكفار لجوارحهم : { لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا } [ فصلت : 21 ] ، وقال الله تعالى : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } [ إبراهيم : 27 ] .
فامتَنَّ عليهم بالتثبيت في الآخرة ، ولولا حاجتهم إليه ، لما صح ذلك ، ولا حاجة إلاَّ مع الابتلاء ، وليس المانع من ذلك عند المعتزلة إلاَّ أن الخلق مضطرون إلى الإيمان يوم القيامة ، ولا يصح الابتلاء مع الاضطرار .
والجواب عليهم أن الاضطرار فعل الله فيهم ، لا فعلهم في أنفسهم عقلاً وسمعاً ، وقد قال الله يعالى : { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } [ الزمر : 68 ] ، وقال تعالى : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } [ الأنعام : 111 ] .
وقد تقدمت بقية الحجج في هذا البحث عند ذكر هذه الآية الشريفة في مسألة الإرادة .
الوجه الثاني : أن كل من عَلِمَ الله أنه إن ( 1 ) بلغه الكِبَر ، آمن ، أدخله الجنة ، وكل من علم الله أنه إن ( 1 ) بلغه الكبر ، كفر ، أدخله النار .
وهذا القول كالذي قبله ، إلاَّ أن في الذي قبله زيادة الإعذار من الله ، وإظهار إقامة الحجة ، وهي زيادةٌ لا معارضة ، ولعلها الذي توهم ابن عبد البر أنها معارضةٌ ، وهي زيادةٌ حسنةٌ ملائمةٌ لسنة الله تعالى في إرسال الرُّسُل وإزاحة الإعذار ، وفي " الصحيح " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا أحد أحبُّ إليه العُذْرُ من الله ، لذلك أرسل الرُّسُل " ( 2 ) .
هامش
( 1 ) في ( ش ) : " من " .
( 2 ) تقدم غير مرة .