المسلمين قطعاً ، وثبت لهم ذلك بطريقٍ سمعيةٍ ، لم يُكَفَّرْ من استحل قتله بذنبه المعلوم وقوعه في المستقبل ، ولا نقطع بأنه فاسق تصريحٍ ، وإن كان القاتل لا يخاف على نفسه متى خاف على المسلمين .
بل قد وقع نحو هذا ، فإن عمر رضي الله عنه استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتل ابن صَيَّاد لمَّا ظن أنه الدجال ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن يكن هو ، فلن تُسَلَّطَ عليه ، وإن يكن غيره ، فلا خير لك في قتله " . والحديث صحيح ( 1 ) .
وإن كان ابن صيادٍ صغيراً ، فأفهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إن يكن غيره ، فلا خير لك في قتله " أنه لا بأس بقتله لو تحقَّق أنه الدجال ، لكنه لا يُسلَّط عليه ( 2 ) .
وفي قصة الخَضِر والغلام الذي قتله ما يدل على هذا ، وقد قال ابنُ عباسٍ ( 3 ) : إن ذلك الغلام طُبِعَ كافراً .
وذكر ابن بَطَّالٍ في الباب الثاني من أبواب القدر في " شرح البخاري " مما يقوِّي ذلك قوله تعالى : { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ } [ الأنعام : 28 ] ، وقوله تعالى : { وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } [ الأنفال : 23 ] .
فإن قيل : إنه يحتمل أن قتل الدجال من قبيل المصالح ، لا من قبيلِ عقوبته بما سيفعله ، كما هو مذهب مالكٍ في المصالح ، بل كما هو مذهبُ الأكثر في قتل المسلم إذا تترَّس به الكفار وعلمنا أنه إن لم يقتل قتلوه وقتلوا المسلمين معه .
هامش
( 1 ) رواه من حديث ابن عمر البخاري ( 1354 ) و ( 3055 ) و ( 6173 ) و ( 6618 ) ، ومسلم ( 2930 ) ، وأبو داود ( 4329 ) ، والترمذي ( 2250 ) ، وأحمد 2 / 148 و 149 ، وابن منده في " الإيمان " ( 1040 ) ، وابن حبان ( 6785 ) ، وقد تقدم .
( 2 ) من قوله : " وإن كان ابن صياد صغيراً " إلى هنا ، سقط من ( ش ) .
( 3 ) هو من رواية ابن عباس عن أُبيّ بن كعب ، وقد تقدم تخريجه 5 / 224 .