فكذلك القطع بتكذيبهم عقلاً وسمعاً ، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تكذيب أهلِ الكتاب ( 1 ) ، لئلاَّ يكون ما رَوَوْهُ حقاً ، وليس القطع مقصوداً ها هنا .
وغاية المرام في مثل هذه المشكلة وضوح أدنى تجويزٍ لوجهٍ من وجوه الحكمة يُقَوِّي إيمان المؤمن بما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( 2 ) فيما لا طريق إلى تكذيب راويه .
وأما ما قاله الحُليميُّ ، فمسلَّمٌ بعد استقرار الخلق في الدارين ، وأما في البرزخ ويوم القيامة ، فغير مُسَلَّمٍ لهذه الأحاديث وأمثالها ، ولما قدمنا من رواية الأشعري إجماع أهل السنة على ذلك في " الأسماء والصفات " ( 3 ) عن الخطابي أنه قال في تأويل حديث أبي هريرة في ذكر الصورة ( 4 ) ما لفظه : وليس بمنكر ( 5 ) أن يكون الامتحان إذ ذاك بعد قائماً ، وحكمه على الخلق جارياً حتى يفرغ من الحساب ( 6 ) ، ويقع الجزاء بما يستحقونه من الثواب والعقاب ، ثم ينقطع إذا حقَّت الحقائق ، واستقرَّت أمور العباد قرارها ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ } [ القلم : 42 ] ، وجاء في الحديث أن المؤمنين يسجدون وتبقى ظهور المنافقين طَبَقاً واحداً ( 7 ) . انتهى بحروفه .
ويدل عليه مثل قوله تعالى : { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ } [ الأنعام :
هامش
( 1 ) روى البخاري ( 4485 ) و ( 7362 ) و ( 7542 ) من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله ، وما أنزل إلينا " . ورواه من حديث أبي نملة عبد الرزاق ( 20059 ) ، وأحمد 4 / 136 ، وأبو داود ( 3644 ) ، وصححه ابن حبان ( 6257 ) .
( 2 ) في ( ش ) : " عن القوم " .
( 3 ) ص 296 .
( 4 ) تقدم تخريجه 5 / 85 .
( 5 ) في " الأسماء والصفات " : " ننكر " .
( 6 ) في ( أ ) و ( ش ) : " حتى يفرغ الحساب " والمثبت من " الأسماء والصفات " .
( 7 ) تقدم تخريجه من حديث ابن مسعود 5 / 91 .