هذا جملة ما حضرني من صحيحٍ وضعيفٍ في حجة أهل هذا القول ، وهي لا تناقض ما قدمنا من أنه لم يصح حديثاً في دخول أولاد المشركين النار ، لأنا عنينا دخولهم على العموم ، وهذه الأحاديث لا تقتضي ذلك ، وإنما تقتضي دخول من عَلِمَ الله أنه لو أدرك العمل ، لكان شقياً بعد إقامة الحجة عليه وعصيانه لله تعالى .
قال السبكي ( 1 ) بعد قوله : أسانيدها صالحة : قال ابن عبد البر ( 2 ) : ليست من أحاديث الأئمة الفقهاء ، وهو أصلٌ عظيمٌ ، والقطع فيه بمثل هده الأحاديث ضعيفٌ في النظر ، مع أنه قد عارضها ما هو أقوى مجيئاً منها .
وقال الحُليميُّ : إن هذا الحديث مخالِفٌ لأُصول المسلمين ، لأن دار الآخرة ليست بدار امتحانٍ ( 2 ) .
قلت : فأجاب القائلون بها على ابن عبد البر أنه لا يُشتَرَطُ في الرواة أن يكونوا أئمة فقهاء .
وأما قوله : إنها مُعارِضَةٌ لما هو أقوى مجيئاً منها ، فإنما أشار إلى قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : " الله أعلم بما كانوا عاملين " . وليست معارضة له ، بل زيادةٌ عليه وبيانٌ له ، وفرقٌ بين المعارضة والزيادة والبيان ، إلاَّ حديث البخاري عن سمرة ، فإنه يعارض ظاهره ، لكنها أخص منه عند التحقيق ، فإنه ، وإن كان خاصاً بالنظر إلى أولاد المشركين ، ففيه عمومٌ بالنظر إلى الشقي منهم والسعيد ، وهذه خاصة بالأشقياء الذين علم الله أنهم لو أدركوا العمل لَعَصَوْهُ .
وأما قوله : إنه أصلٌ عظيم ، والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث ضعيفٌ ،
هامش
( 1 ) 2 / 363 - 364 .
( 2 ) قلت : نقل قول ابن عبد البر ، وقول الحليمي القرطبي في " التذكرة " ص 514 ، وتمام قول الأخير فيه : فإن المعرفة بالله تعالى فيها تكون ضرورة ، ولا محنة مع الضرورة ، ولأن الأطفال هناك لا يخلو من أن يكونوا عقلاء ، أو غير عقلاء ، فإن كانوا مضطرين إلى المعرفة ، فلا يليق بأحوالهم المحنة ، وإن كانوا غير عقلاء ، فهم من المحنة أبعد .