مجتمع المدينة بعد النبي في الخطبة الفدكية
مما جاء في خطبة مولاتنا سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام حينما وجّهت خطابها إلى الأنصار أنها قالت:«إيهاً بني قيلة، أَأُهضم تراث أبيَ؟ وأنتم بمرأى مني ومسمع، ومنتدى ومجمع، تلبسكم الدعوة وتشملكم الصرخة، وأنتم ذوو العدد والعدّة والأداة والقوّة، وعندكم السلاح والجُنّة توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت، قاتلتم العرب وتحملتم النصب والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم لا نبرح أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بكم رحى الإسلام ودرّ حلب الأيام وخضعت نعرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنّى حُرتم بعد البيان، وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام وأشركتم بعد الإيمان، {أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣} ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، وركنتم إلى الدعة، ونجوتم من الضيق والسعة، فمججتم ما وعيتم ودسعتم الذي تسوغتم، فـ {إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}».
صدقت سيدتنا ومولاتنا الزهراء صلوات الله وسلامه عليها.
سيتناول حديثنا في ظلال خطبة فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها تحليلاً للمواقف في المجتمع المدني المسلم، وذلك بُعيد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث بَيّنت خلال هذه خطبة أنّ هناك ثلاث فئات في هذا المجتمع نعرض لها بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
الفئة الأولى: فئة أهل البيت عليهم السلام
يتمثل في رأس هذه القائمة والعنوان أمير المؤمنين عليه السلام ومن تبعه من بني هاشم ومن كان من أنصاره سواء من الأنصار أو المهاجرين.
الفئة الثانية: فئة التيار القرشي
هذا التيار القرشي وهذا التجمع هو الذي انتهى به الأمر إلى أن يسيطر على الخلافة ضمن إطار جمعته الحالة القرشية والذي تمكّن من الاستمرار كوجود متصل في الحكم في الأمة بل حتى على مستوى الفتوى والقضاء وما شابه ذلك.
الفئة الثالثة: فئة الأنصار
الأنصار هم سلالة قبيلتي الأوس والخزرج والذين كانوا في الأصل قبائل يمنية مهاجرة من اليمن، استقرت منذ القدم في المدينة المنورة، فبعضهم يُرجع أصل وجود هاتين القبيلتين في المدينة المنورة إلى الزمن الذي انهار فيه سد مأرب في اليمن، فأدى حدوثه إلى حالة من القحط والجدب تسببّت في هجرات. وكما هو معروف فإن اليمن هو مخزن سكاني للعرب كقحطان والقبائل اليمنية الأخرى، حيث تجدهم منتشرين في كل مكان في المدينة وفي الكوفة بعد تمصيرها والتي أصبحوا فيها أكثرية تقريبًا، وفيما بعد هاجروا منها إلى لبنان وإلى الشام وإلى قم وبلاد الري وهذه القبائل اليمنية الموالية لأهل البيت نقلت التشيع.