تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إني فاطمة وأبي محمد — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
«والحج تشييداً للدين»: هو المنظر الذي تتجلى فيها قوة الإسلام والمسلمين ووحدتهم، أن المسلمين وبهذا العدد الكبير يجتمعون على صعيد واحد وفي حالة انسجام واحدة كما هو المفروض ان يصنع الحج، فهذا يُشيّد الدين. إن قدرة الإسلام على تحريك الملايين من البشر بنظام واحد وفي زمان واحد ونحو هدف واحد وهم يشتركون في عمل واحد قد لا نراها في موضع كما نراها أيام الحج.. «والعدل تنسيقا للقلوب»: إنما تجتمع القلوب على العدالة والقانون، فإنك لا تستطيع ان ترضي الناس بالأموال حيث لا تكفي حاجات كل الناس بل ربما كانت هي منشأ التنازع بينهم كما هو المشهود. فالعلاج أنك إذا أردت تنسيقاً للقلوب فلتعمل بالعدل، العدل في العطاء، والعدل في القضاء والحكم، ولأجل ذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالعدل فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}[166]. وقدمه المعصومون على الجود والكرم لعمومية العدل وخصوصية الجود[167]. فعندما يكون الناس خاضعين للقانون ويكون العدل حاكماً على الجميع تتسق القلوب في الاتجاه الصحيح، ويحصل رضا عام لدى الناس على وضعهم المعيشي. «وطاعتنا نظاما للملة وامامتنا امانا من الفرقة». لو أن المسلمين أقاموا هذا النظام وأتبعوا هذا الإمام الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وآله بمقتضى حديث الثقلين «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبدا» فـ (الفرقة) والاحتراب والتشرذم ضلال بلا اشكال، لماذا؟ لأن الثقلين ليسا هما القائدين للناس، وإنما القادة هم غير ذلك، فمتى ما صارت إمامة أهل البيت عليهم السلام التي هي الثقل الآخر للناس تكون أماناً من الفرقة والتشرذم والضلال. «والجهاد عزاً للإسلام والصبر معونة على استيجاب الأجر». لا شك أن من يريد أن يستوجب الأجر ويصل إليه، لا بد له من الصبر على ما يواجه، فهذا الأمر لا يحتاج إلى صرف أشياء كثيرة. هناك بعض الأمور لكي تحصل فيها على الثواب تحتاج إلى معاناة، فالحج يحتاج إلى سفر، الجهاد يحتاج إلى أن تبذل شيئاً كثيراً من بدنك. أما الشيء الذي تريده ولا يحتاج إلى صرف وتريد عليه الأجر الكثير هو الصبر على ما تلاقي، الصبر على المصائب التي تأتي إليك، وهذا لا يحتاج إلا إلى موقف نفسي، يحتاج إلى صمود وتجلد واحتساب، ان تقول حسبنا الله ونعم الوكيل. تحتسب عند الله سبحانه وتعالى، وتصبر على ما أصابك. فبماذا بلغ أيوب ما بلغ؟ بلغ بما تشير إليه الآية المباركة {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}[168]، وفي هذه الآية من ابدع اساليب الاستعطاف والاسترحام.. فهو لا يقول اكشف عني ضري أو أزل كربي وإنما يشير إلى حاله، ويشير إلى فضل ربه ورحمته.. مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.
هامش
166 النحل: 90 167 نهج البلاغة: الحكمة ٤٣٤: سئل عليه السلام أَيّهُما أَفضل: العدل، أَو الجود؟ فقال: الْعَدْلُ يَضَعُ الْأُمُورَ مَوَاضِعَهَا، والْجُودُ يُخْرِجُهَا عَنْ جِهَتِهَا، وَالْعَدْلُ سَائِسٌ عَامٌّ، وَالْجُودُ عَارضٌ خَاصٌّ، فَالْعَدْلُ أَشْرَفُهُمَا وَأَفْضَلُهُمَا. 168 سورة الأنبياء: آية 83