قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله، وتفرقوا[171].
هذا الموقف وأمثاله من قبل الأنصار هي التي جعلت الزهراء بعد أن أثنت على مواقفهم السابقة في نصرة النبي، تعاتبهم بقوة مستغربة من موقفهم الجديد الخاذل الذي لا ينسجم مع تاريخهم المشرف ولا معرفتهم بموقع الزهراء وأهل البيت عليهم السلام.
بينما بنفس المقدار كان كلامها شديدا في حق التيار القرشي، الذي وصفته بأن تاريخه كان تاريخ المتربص بالدعوة والنبي الدوائر والناكص عند النزال والفار من القتال، والمخطط للمصالح الذاتية. في الوقت الذي كان فيه أهل البيت على خط المواجهة الأول كان الحزب القرشي في رفاهية من العيش وادعين هانئين آمنين!.
وتمر الأيام فإذا بهؤلاء الذين لم يضحوا بشيء أصبحوا يحوزون كل شيء، فصار قصارى ما يطمح إليه الأنصار معهم أن يكونوا وزراء بينما يكون أعيان الحزب القرشي هم الأمراء! وأما الخط المضحي والمجاهد من أهل بيت النبي ومن سار معهم، فقد أخرجوا من كل ذلك.
بل سيزداد الأمر سوءا فيما بعد سنة 40 ه عندما يستلم الأمويون الخلافة لكي يصبح شتم كبير أهل البيت عليهم السلام وهو أمير المؤمنين عليّ عليه السلام سنة قائمة، وسيصبح ذم الأنصار وهجاؤهم بواسطة أجهزة الاعلام الأموي سياسية، ما عبر عنه الأخطل الشاعر النصراني السكير، والحائز على جوائز البلاط الأموي في دمشق لكي يهجو الأنصار ويسبّهم، ببذاءة، فمما اشتهر عنه قوله:
لعن الإله من اليهود عصابةً
بالجزْع بين صليصل وصرارِ[172]
خلّوا المكارم لستم من أهلها
وخذوا مساحيكم بني النجار
ذهبت قريشٌ بالمكارم والعُلى
واللُؤم تحت عمائم الأنصارِ
هامش
171 الحميري، ابن هشام السيرة النبوية ٤/ ٨٧.
172 منطقتان في المدينة، ويلاحظ أنه أبقاهم في دائرة اليهود، ونفاهم من الدائرة الإسلامية مع أنه مسيحي منحرف، وهم الذين بجهدهم شاد الإسلام بناءه وكيانه!