تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إني فاطمة وأبي محمد — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
قولها عليها السلام : «والزكاة تزكية للنفس»، يتعلق الإنسان بالمال وقد وصف هذا التعلق في القرآن الكريم بالحب الكثير{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}[165]، وجهة هذا الحب أن مال الإنسان هو مجهوده الذي بذله ووقته الذي صرفه في تحصيله، بل هو جزء من حياته، بالإضافة إلى أنه ضمان له وحافظ عن الحاجة، ولهذا فإن الإنسان عندما يخرج الزكاة كأنما يخرج من جيبه جزءاً من مجهوده، وقسما من حياته، هذا بحسب الظاهر. لكن الإنسان لو نظر بحسب الواقع لوجد أن هذا المال هو لله، وإنما هو رزق رزقه الله إياه وحوله عليه وخوله إياه وجعل أسبابه ميسرة في الطبيعة وأقدر الإنسان على اكتسابه، فهو من كل الجهات من الله وبالله ولله، وإنما جعله في حوزة هذا العبد ليتصرف فيه بشكل عادل وامتحنه بإيجاب إعطائه لعباده المحتاجين لما فرض الزكاة والخمس وأشباهها من الحقوق المالية. وهنا سيحصل التجاذب بين كون هذا الإنسان يعتقد بأنه هذا المال جزء من عمره وحياته فينبغي أن يحتفظ به وبين كون حقيقة هذا المال (عارية وأمانة) من قبل مالكها الحقيقي والمالك يأمره بدفعه إلى آخرين، فعندما ينفذ ذلك ينتصر على نوازع الأنا والذات ويتجه لمساعدة الغير، فتزكو نفسه وتعلو.. بل إن هذا المال حينما يعطى للغير يزكو وينمو وذلك لأن المعطي الحقيقي له والواهب يرى باذله مستحقا للمزيد فيرزقه. وهذا هو النماء في الرزق. «والصيام تثبيتاً للإخلاص»، فقد قالوا لعل الصوم هو العبادة الوحيدة التي لا يتيسر فيها التظاهر والرياء كما في غيره من العبادات. فالصلاة بطبيعتها تعلن عن نفسها وبالتالي عن إيمان صاحبها، وفيها مظاهر لا تكون في غيرها، فإذا أطال الشخص الركوع والسجود وقراءة السور لأجل أن يراه الآخرون فقد تحقق الرياء، بينما لا نجد هذا في الصوم إذ لا توجد فيه أعمال، فإنه (الامساك عن المفطرات) أو الكف عنها، ولا يتحقق إعلان عن هذا، فقد يستطيع شخص أن يكون صائما عدة أيام ولا يشعر به من حوله، لكنه لا يستطيع ذلك بالنسبة للصلاة إلا إذا تخفى فيها. كما أن في الصوم يستشعر الصائم رقابة خالقه، فلا يفطر مع أنه لو فعل ذلك بالسر لما شعر به أحد فيتركز الاخلاص لربه في نفسه.
هامش
165 الفجر: 20