والصحيح هو أن يستبدل ذلك بكلمة (الإيمان بالله) فإن هذه الكلمة ومشتقاتها يدور عليها محور آيات القرآن الكريم حيث وردت مع مشتقاتها (آمن، يؤمن، يؤمنون، المؤمنون، المؤمنات) ما يقرب من ٨٠٠ مورد.. وهذا الكلام صحيح والاشكال عليهم وارد.
نلاحظ هنا أن الزهراء قالت فجعل الله الايمان تطهيرا لكم من الشرك.. وكأنما الشرك قذارة تحل بالإنسان ورجس معنوي، بحيث لا يعود ذلك الإنسان هو الطاهر الذي فطره الله على الايمان به، فبعدما كان {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ} وإذا به يغدو بالشرك {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} ودور الايمان بالله هو أنه يطهر ويزكي ويصفي هذا الإنسان من أدران الشرك وقذاراته. سواء تلك التي ترتبط بالإيمان بغير الله وترتبط بشركه، أو تلك التي ستترتب على الممارسات الخارجية بعدما كان لا يخضع لأوامر الله ونواهيه مع فرض كونه مشركا، ولنا في الواقع الخارجي خير مثال حيث وصل الحال بمن تركوا الايمان بالله إلى مستوى تأباه البهائم لقذارته.
«وجعل الصلاة تنزيهاً لكم عن الكِبْر» إن المعادل الآخر للإيمان في جهة القلب هو الصلاة في جهة الفعل فهي عمود الدين، من جهة ومحققة للخضوع في مقابل الكبر الذي يدعو الإنسان للتمرد على أوامر الله سبحانه كما دعا ابليس للمعصية. إن وقوف الإنسان بين يدي ربه في كل يوم خمس مرات منحنيا للركوع سبع عشرة مرة، وواضعا أعلى جزء من بدنه موضعا وشرفا على أدنى شيء وهو الأرض، يفترض بحسب تشريعه أن يكسب الإنسان تواضعا وخضوعا، وأن يجنبه الاستكبار والطغيان.
إن العقدة التي تورد الإنسان المهالك هي الاستكبار، والتعاظم، والتكبر فترى الطواغيت يتكبرون على قبول الحق، والفساق يأبون النصيحة ويرونها دون مستواهم، وهكذا.. والحل في ذلك هو مضاد التكبر وهو الصلاة.
وقد يقول إنسان إننا نرى الكثير من الناس يؤدون الصلاة ولكنهم مع ذلك ليسوا منزهين عن الكبر، ولم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر، والجواب عن ذلك تفصيلا قد ذكرناه في كتاب الصلاة مجمع الكمال[164]. وهذه الأجوبة سارية في سائر التشريعات وفلسفتها وحكمتها.
هامش
164 ذكر في الجواب عليه وجوه؛ الأوّل: إنّ الانتهاء عن الفحشاء والمنكر مراتب، لنفترض أنّها تعادل مائة درجة، فالإنسان حين يلاحظ معاني الصلاة ويفكِّر فيها ويستحضرها ويقوم بشرائطها كاملة، فهذا تنهاه صلاته مثلاً عن 70% من الفحشاء، بينما إنسان آخر لا يفعل ذلك لا تؤثر فيه هذه الصلاة التأثير الكامل وإنما تؤثر بمقدار 10%، فهذا الإنسان الذي يرتكب على سبيل المثال ستين ذنبًا أو سبعين ذنبًا لو لم يكن يصلّي لكان يرتكب مئات الذنوب، فبهذا المقدار الذي يُصَلّيه، صَلاتُه نَهَتْهُ عن 10% أو عن 20%، ولو فرضنا نفس هذا الشخص لم يكن يصلي وكان يأتي بالفواحش والمنكرات بنسبة 100% فهذه الصلاة بالنسبة له أثرت فيه بنسبة 10%. إذن طبيعة الصلاة أنَّها تنهى عن الفحشاء وتنهى عن المنكر، لكن ليس نهيا جبريا، وإنما بشكل اختياري طبيعي وتربوي وهذا ليس في الصلاة فقط، فنجد أن الله عز وجل يتعامل معنا بهذا المنظور أيضاً.
الوجه الثاني: إنَّ النقص في التأثير ليس عائدا للصَّلاة، فهي مؤثرة كما أسلفنا وليس في فاعليتها نقص، وإنَّما المشكلة والنقص هو في المستقبل، وبتعبير العلماء في (القابل) حيث يقولون إنَّ المشكلة ليست في فاعلية الفاعل وإنَّما المشكلة هي في قابلية القابل، تماما مثلما أنَّ مطر السَّماء ينزل فتصبح الأرض مخضرة، إلا أنَّ بعض البقاع السَّبخة لا يَحْدُث فيها شَيْءٌ مهمَا نزل عليها من المطر العذب، فليست المشكلة في المطر وإنما في خصوص هذه الأرض وملوحتها.
الوجه الثَّالث: إن التأثير ليس فوريًّا وإنَّما هو تراكميٌّ تدريجيٌّ، ولهذا نقول ليُصَلِّ هذا الإنسان حتَّى لو كان لديه بعض المعاصي والذنوب، ولهذا إذا رأيت إنساناً يصلي ويمارس بعض الفحشاء وبعض المنكر، لا تقل له إن صلاتك لا تنفعك ولا تفيدك والأفضل لك أن تتركها ما دُمْتَ بهذا النحو، هذا غير صحيح، لأن الصلاة تؤثر فيه بشكل تراكمي إلى أن ينتج أثرها.