مقاصد التشريع الإسلامي في خطبة الزهراء
في خطبة سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها ورد قولها: «فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق والصيام تثبيتاً للإخلاص والحج تشييداً للدين والعدل تنسيقاً للقلوب وطاعتنا نظاماً للملة وإمامتنا أماناً من الفرقة والجهاد عزاً للإسلام والصبر معونة على استيجاب الاجر والأمر بالمعروف مصلحة للعامة وبر الوالدين وقاية من السخط وصلة الارحام منماة للعدد والقصاص حقناً للدماء والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس».
تبين الصديقة الزهراء أن الله سبحانه وتعالى شرع تشريعات، الهدف منها تكامل الإنسان العامل بها وتصاعده إلى الدرجات العالية في إنسانيته، فلو خلق الإنسان ثم أهمله عن التكليف لصار حاله حال سائر الحيوانات، يجري وراء شهواته واهوائه ويتسافل، وكذلك الحال لو شرع تشريعات من غير حكمة أو هدف. لكن الله سبحانه وتعالى جعل له سلما للصعود والتكامل، وذلك عبر برنامج تشريعي من العبادات وأحكام المعاملات. ولم يأت هذا البرنامج التشريعي عبثاً، وإنما الأصل فيه أن كل تشريع سواء كان أمرا أو نهيا، يهدف للوصول منه إلى غرض من الاغراض الفردية أو الاجتماعية، وربما يستطيع الناظر والمتأمل في آيات القرآن الكريم أن يلحظ ذلك في الأوامر الالهية أنها في العادة تنتهي بقوله تعالى (لعلكم..) وفي هذه العبارة إشارة إلى حكمة وهدف التشريع الذي سبق هذه الكلمة، وأحيانا تأتي جملة هي كالتعليل والاشارة إلى فلسفة التشريع المأمور به قبلها[163].
ضمن هذا الإطار ينبغي أن نتأمل في كلمات الزهراء عليها السلام والتي تحدثت فيها عن بعض فلسفة التشريعات الإسلامية، قالت: فجعل الله الايمان تطهيراً لكم من الشرك والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر.
هل التعبير بالايمان هو الصحيح أو العقيدة؟
يقول بعض الباحثين إننا نلاحظ أن أتباع المدرسة السلفية دائماً ما يركزون على العقيدة، وتصفية العقيدة وأركان العقيدة الصحيحة وما شابه ذلك، وهذا - كما يقول مخالف - حتى لمنهجهم فضلا عن مخالفته للاتجاه الصحيح، وبيان ذلك أن كلمة العقيدة ومشتقاتها لم تأت في المصادر الدينية، فلا نجد مثلا كلمة العقيدة في القرآن الكريم او الفعل منها: اعتقد يعتقد أو فاعلها معتقد، والمفروض في المدرسة السلفية لما كانت تحتج على الآخرين بأن الشيء الكذائي لم يكن على زمن رسول الله أن تكون محجوجة بهذا فهذا الاهتمام العظيم الذي يعطى لهذا المفهوم (العقيدة) من دون أن يكون له أثر في القرآن الكريم.. كيف يكون صحيحا؟ وحتى عندما جاءت كلمة (عقدتم) فقد أتبعت بالأيمان (عقدتم الأيمان) وهو غير ما نحن فيه.
هامش
163 {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة: 179/ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة:183 {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة:186 {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} البقرة: 189 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} البقرة: 130 ومن النمط الثاني في التعبير عن فلسفة الأحكام والتشريعات قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} العنكبوت:45