تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إني فاطمة وأبي محمد — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١

معاناة النبي صلى الله عليه وآله في تبليغ الرسالة:

فبعد هذه الصورة المشرقة التي تقدمها سيدتنا فاطمة صلوات الله وسلامه عليها للنبي صلى الله عليه وآله تُعرّج على معاناته في سبيل تبليغ الدين فتقول:«فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ صادِعاً بِالنِّذارَةِ، مائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ، ضارِباً ثَبَجَهُمْ، آخِذاً بِأكْظامِهِمْ، داعِياً إلى سَبيلِ رَبِّهِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنةِ يَكْسِرُ الأَصْنامَ، وَيَنْكُتُ الْهامَ، حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَوَلُّوا الدُّبُرَ، وحَتّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَأسْفَرَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَنَطَقَ زَعِيمُ الدّينِ، وَخَرِسَتْ شَقاشِقُ الشَّياطينِ، وَطاحَ وَشيظُ النِّفاقِ، وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَالشِّقاقِ، وَفُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الإْخْلاصِ مع نَفَرٍ مِنَ الْبيضِ الْخِماصِ، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكُمُ اللهُ بأبي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله». أي لم يكن تبليغ الدين والرسالة بالسهولة التي يتصورها البعض بل مر ذلك بحقول ألغام وبحروب أعداء، ومعاناة، فقد كانت المعارك مع المشركين الذين رفضوا السماح لدعوته بالانتشار فاضطر إلى حربهم ضاربا بالسيف أعناقهم في تلك الحروب وداعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة كخط عام، ونتيجة هذا الجهاد في الميدانين: الحرب والوعي والتبليغ كان أن تفرى ليل الأصنام وظلام الجاهلية عن صبح الإسلام وشمس الحقائق، فأنقذ الله الأمة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله. وإذ عرجت على ذكر رحيل النبي المصطفى ذكّرت الحاضرين بطريق غير مباشر بمعادهم، وأن عليهم أن يعملوا لذلك اليوم الذين سيرحلون فيه، فهل يقبضهم الله كما أخذ رسوله قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار، ويكون الراحل حينها سائرا من تعب الدنيا إلى راحة الآخرة مجاورا للملائكة محبُوًّا برضوان الله وجواره؟ أو يكون في الطرف الآخر لا سمح الله. والتذكير بالمعاد ضروري حتى لا تأخذ أهلَ السلطة شهوة الحكم والسيطرة فتعميهم عن مصائرهم.. قالت عليها السلام «ثمَّ قَبَضَهُ اللهُ إليْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاختِيارٍ، ورَغْبَةٍ وَإيثارٍ فمحمدٌ صلى الله عليه وآله منْ تَعَبِ هذِهِ الدّارِ في راحةٍ، قَدْ حُفَّ بالمَلائِكَةِ الأبْرارِ، وَرِضْوانِ الرّبِّ الغَفارِ، ومُجاوَرَةِ المَلِكِ الجَبّارِ. صلى الله على أبي نبيَّهِ وأَمينِهِ عَلى الوَحْيِ، وَصَفِيِّهِ وَخِيَرَتِهِ مِنَ الخَلْقِ وَرَضِيِّهِ، والسَّلامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ ». هذا المصير هو الذي يفسر لنا إقدام المعصومين عليهم السلام على الموت عالمين به مختارين إياه على ما فيه الخطر والهلكة الظاهرية والموت، لأنهم يعتقدون انهم يختارون الله بذلك ورضوانه. فهذا ما تقدمه السيدة الزهراء عليها السلام عن رسول الله في بداية انتخابه واصطفاه ثم بعثه ودوره إلى أن قبضه الله اليه قبضة رأفة واختيار ورغبة وإيثار. هذا النبي الذي عمل هذه الأعمال العظيمة حيث دعاهم إلى الدين القويم وهداهم إلى الصراط المستقيم. أليس من الحري بهم أن يُقيّموا هذه الخدمة فيحفظوا رسول الله في ولده وعترته وذريته لا أن يجردوا عليهم سيف الظلم والاضطهاد ورسول الله لم يجف تراب قبره بعد!.
إني فاطمة وأبي محمد — صفحة 81 | فوزي آل سيف