عالم التقدير:
يقول العلماء قبل عالم الواقع هذا كان هناك عالم آخر هو عالم التقدير، عالم الامر، عالم الغيب لم يكن هناك شيء موجود لا الزمان ولا المكان موجود، لأن الزمان هو حادث ونسبة المكان أيضا كذلك فلا شيء موجود على الاطلاق لنقرب المعنى بالمثال التالي:
عندما تُكلَّف باستحداث مدرسة متكاملة من حيث البناء والتجهيزات اللازمة من فصول وإدارة ومرافق عامة كفناء ومصلى ودورات مياه وغيره وكذلك تهيئتها من ناحية الموارد البشرية كادر إداري ومعلمين وليكن في ذهنك الآن أن هذه المدرسة غير موجودة فعليك أن تضع خطة لبنائها وكذلك تضع في ذهنك خريطة لإدارتها.. أنت الآن في مرحلة تخطيط حيث لا مدرسة ولا مدير موجود بالفعل تحت يدك، فهذا يختلف عما لو انت خططت لهذه المدرسة وهي موجودة أمامك والمدراء كذلك أمامك تنتخب واحدا منهم.
اصطفاء رسول الله صلى الله عليه وآله كان في عالم التقدير:
فلو قرّبنا هذا الكون كمثال لهذه المدرسة قبل استحداثها، كون لم يُخلق بعد فلا سماوات ولا أرض ولا بشر ولا جن ولا شيء على الاطلاق، ولا يوجد هناك احد في الخارج في ذلك العالم، الله سبحانه وتعالى - وهذا تعبير من باب ضيق الخناق في الألفاظ - عندما كان يخطط لهذا العالم ويضع المقادير له قبل خلق العالم والكون وقبل خلق كل أحد كان قد اختار في ذلك الوقت سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله، وهذا أحد معاني ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «كنت نبياً وآدم بين الماء والطين» يعني إلى الآن آدم غير مخلوق.
في عالم الغيب والتقدير قبل كل شيء انتخب الله سبحانه وتعالى نبينا للنبوة، وهذا ما تعبر عنه فيما نعتقد سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام بقولها: اختاره وانتجبه قبل ان ارسله وليس عندما خلق كل الخلق اختاره، وليس كما هو موجود في بعض المناهج الدراسية في بعض بلاد المسلمين عندما بلغ الأربعين من العمر اختاره الله للنبوة ونزل عليه الوحي، فما معنى لما بلغ أربعين سنة؟! أبداً ليس كذلك، بل قبل هذه الأكوان كلها كان قد انتُخِب واصطفي واجتبي.
نعم هذا العالم الذي نعيش فيه هو عالم الزمن والتدرج يحتاج فيه أن يولد النبي وأن يكبر وهكذا لكن الاصطفاء والانتخاب والتسمية والاجتباء كانت في عالم سابق على هذا «اخْتارَهُ وَانْتَجَبَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمّاهُ قَبْلَ أنِ اجتباه، واصْطَفاهُ قَبْلَ أنِ ابْتَعَثَهُ، إذِ الْخَلائِقُ بالغَيْبِ مَكْنُونَةٌ» إلى الآن الخلائق مستورة في عالم الغيب لا يوجد لها شهود ولا يوجد لها وجود خارجي «وَبِسِتْرِ الأَهاويل مَصُونَةٌ» من وراء حجب لم تصبح شيئا خارجيا لم تتشخص في الخارج، «وَبِنِهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ» هي امور معدومة ما كانت موجودة اقترنت بالعدم، هناك حيث لا شيء موجود تم انتخاب رسول الله صلى الله عليه وآله كسيد للخلق ونبي للبشرية..لماذا؟ ما هي الغاية؟ «عِلْماً مِنَ اللهِ تَعالى بِمآيِلِ الأُمُور، وَإحاطَةً بِحَوادِثِ الدُّهُورِ، وَمَعْرِفَةً بِمَواقِعِ الْمَقْدُور»، الله سبحانه وتعالى علماً منه بنهايات القضايا وبمآلات الأمور، كان يعلم بأن هذا النبي هو المنتخب والمجتبى وأفضل نسخة للكون خلقها الله سبحانه وتعالى حتى يصبح خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله.