ولأنها كذلك فقد كان برنامج مجيئها لهذه الدنيا والغرض المتعلق به مختلفا عن سائر بنات النبي صلى الله عليه وآله، وسيأتي بيان ذلك في موضوع مقاماتها عليها السلام .
2/ فاطمة في طفولتها المبكرة: ستكون فاطمة مؤنسة أمها بعد خروجها إلى عالم الدنيا كما كانت مؤنستها قبل ذلك في بطنها، وستكون إلى جانب أمها خديجة الكبرى معينة لأبيها ومدافعة عنه - بقدر ما يتيسر لها ذلك - وسوف تعاني في الدفاع عن شخصية أبيها النبي المصطفى وتخفيف حملة أعدائه عليه، كما ستفعل ذلك مستقبلا بالنسبة لزوجها الوصي المرتضى. فها هي تميط الأذى وسلا البعير الذي وضعه القرشيون على كتف النبي وهو يصلي؛ قال الراوي: «فَلَمّا سَجَدَ النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وضَعَهُ بَينَ كَتِفَيهِ قال فاسْتَضْحَكُوا، وجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلى بَعْضٍ، وأنا قائِمٌ أنْظُرُ لَوْ كانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله، والنَّبِيُّ صلى الله عليه وآله ساجِدٌ ما يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتّى انْطَلَقَ إنْسانٌ فَأخْبَرَ فاطِمَةَ، فَجاءَتْ وهِيَ جُوَيرِيَةٌ فَطرحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أقْبَلَتْ عَلَيهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمّا قَضى النَّبيُّ صلى الله عليه وآله صَلاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ دَعا عَلَيهِمْ، وكانَ إذا دَعا دَعا ثَلاثًا، وإذا سَألَ سَألَ ثَلاثًا، ثُمَّ قال: (اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِقُرَيشٍ). ثَلاثَ مَرّاتٍ فَلَمّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضِّحْكُ وخافُوا دَعْوَتَهُ»[12].
وبالرغم من أنها كانت صغيرة السن في مقاييس الأرقام إلا أنها سجلت وشاهدت تفاصيل أذى قريش وتآمر زعمائها على الرسول أبيها وعلى الرسالة الإلهية، ولذلك لم يكن نقدها في خطبتها المشهورة لواقع قريش المتآمر ناشئا عن عاطفة أو بعد عن الواقع، فراجع خطبتها وكيف تحدثت عن قريش مشيرة إلى أن الخط القرشي استمر في التآمر على الخط الرسالي العلوي المحمدي.
ولم تقف أمام ذلك في موقف التسجيل وإنما حاولت مساعدة أبيها وتخفيف آلامه بالمقدار الذي تستطيعه امرأةٌ صغيرةٌ أمام عتاة الرجال وسفهائهم. كما كابدت مع أبيها وأمها صلوات الله عليهما وباقي المسلمين آثار حصار قريش لبني هاشم ومن تبعهم من المؤمنين في شعب أبي طالب. وصبرت كما صبروا على طول المحنة التي استمرت نحو ألف يوم من الزمان.
كما شاهدت عمر أمها السيدة خديجة وهو يتصرّم، وثروتها وهي تتناقص لجهة الانفاق على الرسالة وأتباعها، حين حرمه الناس وتعلمت منها أن الدين والشريعة تستحق التضحية بكل شيء يملكه الانسان المسلم.
3/ نحتمل أنه في الفترة التي تلت وفاة أمها الصديقة خديجة في السنة العاشرة لبعثة النبي وإلى وقت هجرة أبيها من المدينة أن تكون الزهراء فاطمة في أجواء بيت عمها أبي طالب الذي توفي في نفس سنة وفاة أمها على ما هو المعروف، وأن تكون في رعاية زوجته فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه السلام. وكان عمرها في ذلك الوقت نحو خمس سنين، وبالرغم من أن النبي قد تزوج في تلك السنة سودة بنت زمعة إلا أننا لا نعثر على شيء مميز في علاقتها مع السيدة فاطمة عليها السلام . بل ربما حسبت سودة كما في صحيح البخاري على غير الخط المنسجم مع فاطمة في المدينة ولا نعلم كيف كانت في مكة!
هامش
12 الإشبيلي؛ عبد الحق بن عبد الرحمن (ت٥٨٢ ه): الجمع بين الصحيحين 3/ 83 ، وهذا يقدم لأولئك الذين يدبجون الأحاديث في فضل قريش وأنها تتقدم ولا يتقدم عليها، مع دعاء النبي عليها بهذه الصورة.