هاتان فقرتان من آيتين ولكن سياق الحديث جعلهما هكذا لا أن هذه آية واحدة، ولو أن الإمام زين العابدين عليه السلام جاء بالآية {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}، لا ينسجم مع حالة الاسترحام والاستعطاف في الدعاء الموجود.
الاقتباس الأول:
«وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبيّة فـ {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}»[134].
بعد هذه المقدمة القصيرة، فلنرَ الآن كيف اقتبست فاطمة الزهراء عليها السلام العديد من الآيات المباركات من ذلك فذكرت أول شيء«وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبيّة فاتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون»، فإن مقتضى الاخلاص لله بالربوبية امران: أن تكون كيفية العمل بما يؤدى فيه حق الله تعالى، فالتقوى ينبغي أن تكون حق تقاته، والجهاد ينبغي أن يكون حق جهاده، وهكذا والآخر أن يستمر المؤمن على ذلك فلا يكفي أن يقوم بهذا الأمر لمرة واحدة أو في شهر واحد وإنما أن يستمر عليه حتى يضمن أن لا يأتيه الموت إلا وهو مسلم.
الاقتباس الثاني:
«وأطيعُوا اللهَ فيما أمَرَكُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ، فَإنَّه {إنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ العُلِماءُ}»[135].
ويعلم القارئ الكريم أنه تم تقديم لفظ الجلالة (الله) مع أن اللفظ في موضع المفعول به وهو مؤخر لاقتضاء الحصر والقصر ذلك، فلو قالت الآية المباركة إنما يخشى العلماءُ الله لما أفاد نفس المعنى المطلوب فيه القصر، فغاية ما تثبت هذه الجملة أن العلماء يخشون الله، لكن هل يخشاه غيرهم أو لا فإن الجملة هذه لا تتعرض له، ولا تؤدي نفس المعنى، مع أن المطلوب في الآية المباركة هو القول أن خشية الله فرع عن العلم به فمن لا يكون عالما بالله تعالى لا يخشاه ولا يخافه، وبمقدار ما يعلم به يخشى ويخاف ويتقي.
وفيما يرتبط بالخطبة فإن الصديقة الطاهرة فاطمة قد طوت مقدمة هي أنكم بتبليغ النبي الرسالة وجهاد الوصي في سبيلها قد أصبحتم عالمين بربكم عارفين بواجباته عليكم وبنواهيه لكم، فيقتضي هذا أن تستجيبوا بالعمل وأن تخشوه حق الخشية لأنه إنما يخشى اللهَ العلماءُ به والعارفون بعظمته والواعون بواجبهم تجاهه.
هامش
134 سورة آل عمران: آية 102
135 سورة فاطر: آية 28