بعد كل هذا لا بد أن نشير إلى أن كل ما سنأتي به وهو جزء بسيط من جهات البلاغة الفاطمية كان في ظرف معاكس لوضع السيدة الزهراء عليها السلام فإنها في ذلك الوقت لتوها قد فقدت أباها رسول الله ومن يبتلى بمصيبة بهذا النحو يتأثر عادة في تركيز كلامه وبديع نظامه، كما أنها تعيش أزمة الاعتداء على منصب وموقع زوجها أمير المؤمنين عليه السلام وإبعاده عن الخلافة وقيادة الناس، وهي إلى ذلك تخطب في المسجد بين الرجال وإن كانت هناك ملاءة قد جعلت بينها وبينهم.
ولنعود إلى أصل الموضوع نقول: وُجد في خطبة الزهراء عليها السلام اثنا عشر اقتباسا من القرآن الكريم بعضه آية أو جزء من آية وربط بنحو تظنه كلاما واحدا.
ولعل هذا هو الذي خفي على البعض عندما زعم بعضهم بأن هناك خطأ في دعاء أبي حمزة الثمالي، وبالغ بعض المخالفين عندما قال إما أن يكون هذا الدعاء غير صحيح الانتساب للسجاد أو أنه لم يكن حافظا للقرآن! قالوا إن هناك آية في الدعاء {واسألوا الله من فضله إن الله كان [بكم رحيما]} ولا توجد آية في القرآن هكذا إنما الآية الموجودة {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}[131] والجواب: أنهم لو كانوا يعرفون معنى الاقتباس في أساليب الخطاب باللغة العربية ما كان لهم أن يعترضوا بهذا الاعتراض!.
وتفصيل الجواب:
أن هاتين آيتان، ولشدة المناسبة بينهما ألصقهما في الدعاء، وفي الكتابة يتبين ذلك بوضوح عندما يقوم الكاتب بفتح قوس للآية الأولى ثم يغلقه ويفتح قوسا للآية الأخرى فهنا يتبين الأمر بوضوح لكن الأمر ليس كذلك عندما يكون الدعاء بصورة القراءة، فلا يمكن للداعي أن يقول مثلا: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ} (نغلق القوس) ثم يقول (نفتح قوسا جديدا) ويقرأ الآية الثانية! ولكن من يعرف قانون الاقتباس وشدة المناسبة بين الفقرتين يعرف لماذا ألصقهما الداعي أو المتحدث!.
الآية في سورة النساء {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}[132]، وفي آية أخرى قبلها {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}[133]، وذيل الآية الأولى {إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} لا يتناسب مع مسار الدعاء، الدعاء يحتاج إلى ماذا؟ يحتاج إلى فضل ورحمة لذلك جاء بذيل الآية السابقة على طريقة الاقتباس والالصاق، فاستفاد من الآية الأولى من مقطعها الأول ومن الآية الثانية من مقطعها الثاني وسيأتي أمثاله في خطبة الزهراء عليها السلام .
هامش
131 سورة النساء: آية 32
132 المصدر السابق.
133 النساء:29