تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إني فاطمة وأبي محمد — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
وإذا كان لنا أن نأخذ من درس تربوي من هذه الآية، فإننا نقول بأن المطلوب من الإنسان أن يتم للطرف الأخر ما توافقا عليه، على خلاف ما قد يوجد عند البعض، حيث يكون لديه سائق يعمل عنده بألف ريال مثلا، فيحاسبه حين الراتب على النقير والقطمير. لأنك فعلت كذا ينقص من راتبك كذا، ولأنك تركت كذا يخصم عليك كذا. غير أن نبي الله موسى يجعل تماماً ووفاءً فوق الاتفاق عشرين في المائة تقريباً أصل الاتفاق ثمان سنوات عمل مقابل أن أتزوج ابنتك هذا هو الوفاء، ويعلمنا القرآن من خلال ذلك أنه عندما تريد أن تعطي فأوف الكيل، ولا تكن من المطففين {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 2 وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}[130]. نبي الله موسى خرج في ليلة برد شاتية ومعه زوجته وأغنامه فلاحت له نار من مكان بعيد في الصحراء قال {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً} فذهب موسى عليه السلام ليقتبس ناراً أي يأخذ قبساً، ومن هنا أُخذ هذا المصطلح في اللغة العربية. فحينما يتكلم إنسان ويستشهد بكلام شاعر أفضل منه، يقال اقتبس منه وهكذا متحدث يتحدث فيقتبس من كلام الله عز وجل أو من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ليقوي المطلب.

ثلاثة عشر اقتباسا بديعاً للزهراء عليها السلام من القرآن الكريم:

قامت الزهراء عليها السلام بالاقتباس من آيات القرآن الكريم في عملٍ بلاغيٍ لا نظير له، لأن الاقتباس درجات؛ أعلاها ما إذا كان الكلام المأخوذ من القرآن الكريم يجري مع كلام المتكلم، بحيث أنك للوهلة الأولى تظنه من عبارة المتكلم. نقول للوهلة الأولى وإلا فإن بلاغة القرآن، وإعجاز كلماته وتراكيبه لا يصل إليها كائن من البشر بمن فيهم الأنبياء والأوصياء، بل ما لديهم من بلاغة هو ظلال لذلك الأصل. وفرع من تلك الشجرة. سوف نلاحظ أن مساحة الاقتباس التي مرت عليها سيدة النساء واسعة حيث تمددت اقتباساتها على اثنتي عشرة سورة، فقد اقتبست من آل عمران ومن فاطر والتوبة والمائدة والكهف وابراهيم والشعراء وسبأ وهود والهمزة، واختصت التوبة بأكثر من اقتباس ولا غرابة فإن سورة التوبة من اسمائها الفاضحة. ونشير إلى أن هناك اختلافا بين الاقتباس من القرآن والاستدلال بآياته، فبالرغم من اجتماع هذين الأمرين في خطبة الزهراء عليها السلام إلا أن بينهما فرقا، فإن الاقتباس كما ذكرنا هو جانب بلاغي وأدبي يجعل المقتبِسُ النص المقتبَسَ وكأنه جزء من كلامه، ويوصله به حتى يغدو أشبه بالنسيج الواحد، كما ستأتي أمثلته. وأما الاستدلال فهو أن يأتي المتحدث بنص يستفيد منه في الاستدلال ويتكئ عليه في إثبات مطلبه من غير التزام بأن يتسانخ في اللفظ مع لفظ المستدل. كاستدلال الزهراء بآيات الميراث بشكل عام أو في خصوص وراثة الانبياء.
هامش
130 سورة المطففين: آية 2-3