الاقتباس الخامس:
«ابتداراً زعمتُم خوفَ الفِتنَة، {أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ}»[139] .
في هذا الموضع تقول «ابتداراً زعمتُم خوفَ الفِتنَة» يعني بادرتم وذهبتم سراعا خلف السقيفة والبيعة، فلم تراعوا وصية النبي ولا حتى انتظار دفن جنازته، بحجة ألّا تكون هناك فتنة! لكن الحقيقة هي أنكم سقطتم في الفتنة، وما خفتم من وقوع الناس فيها نظريا واحتمالا وقعتم فيه وسقطتم في مستنقعه عمليا وواقعا! وبينما شخصت الواقع الخارجي من أنهم وهي تخاطب أهل السلطة الحاضرين بقولها «ابتداراً زعمتُم خوفَ الفِتنَة» لكن الواقع هو {أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ}، وهذا القسم آية قرآنية من سورة التوبة ولكن الناظر إليها يرى لشدة المناسبة والسلاسة في الانتقال كأن الجميع جملة واحدة.
الاقتباس السادس والسابع:
«وكتاب الله بين أظهركم أموره ظاهرةٌ، وأحكامهُ زاهرةٌ، وأعلامه باهرةٌ، وزواجرُهُ لائحةٌ، وأوامره واضحة، وقد خلفتُموه وراء ظهوركم، أرغبةً عنه تُريدون؟ أم بغيره تحكُمُون؟ {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا}[140] {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}»[141].
وهنا الاقتباس في أعلى درجاته بحيث بعد أن مهدت بوصف القرآن بأوصاف عالية، قرعت أهل السلطة وأنصارهم بأنهم قد خلفوه وراء ظهورهم ولم يعملوا به لا في اتباع وصية رسول الله بتأمير علي بن أبي طالب عليه السلام وقد أمر القرآن باتباعها بقوله {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[142]ولا في توريث فاطمة من أبيها وقد صرح القرآن به. ثم تخاطبهم حيث كانوا بهذا ظالمين لأنفسهم ولغيرهم، «أرغبة عنه تريدون أم بغيره تحكمون»؟ وهنا تقتبس من القرآن شعلة ضياء من موردين وسورتين، فتأتي بآية من سورة الكهف {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} وتردفها مباشرة بأخرى من سورة آل عمران {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
هامش
139 سورة التوبة: آية 49
140 سورة الكهف: آية 50
141 سورة آل عمران: آية 85
142 الحشر: 7/ وقد يقول بعضهم بأن الآية واردة في سياق الحديث عن الغنائم والفيء والعطايا وأن ما يعطيهم الرسول فليأخذوه وما ينهاهم عنه فلينتهوا، وفي الرد على هذا يقال أن المورد لا يخصص الوارد كما اتفق عليه العلماء وإلا لكانت أكثر الآيات الواردة في موارد محددة ومعينة لا ينبغي العمل بها في غير تلك الموارد، وهذا يعني تجميد أحكام القرآن في عصرها الذي نزلت فيه فلا يكون شريعة مستمرة ليوم القيامة. هذا بالإضافة إلى أن قياس الأولوية حاكم هنا فإذا كان الأمر بالنسبة للقضايا المالية وهي لا تساوي شيئا عند الخالق ولا عند الرسول، وكان يجب الأخذ بها والانتهاء عما نهى عنها فمن باب أولى أن يكون الأمر كذلك في أمور الدين والعقيدة والطريق إلى الأخرة. ولا يمكن أن نتصور أن الأمر جزمي وثابت في أخذ خمسة دراهم والانتهاء عن مثلها في الأمر والنهي لكنه في أحكام الصلاة يكون الأمر غير واجب أو في ترك التصدي للقيادة والإمامة من غير استحقاق يكون النهي هنا غير لازم.