هنا انبرت إليه الزهراء عليها السلام مرة أخرى وقالت له «سُبْحانَ اللهِ! ما كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله عَنْ كِتابِ الله صادِفاً، وَلا لِأحكامهِ مُخالِفاً»، فهي عليها السلام تشير له في كلامها هذا أنه هل أنت واع لما تقول وملتفت؟ كيف يخالف الرسول صلى الله عليه وآله كتاب الله ولا يتبعه فأنت تتهم النبي بشيء عظيم.
إذن جمعت الزهراء عليها السلام في هذه الخطبة بين خطين في الخطاب السياسي وهذا معروف عند المعاصرين بين خطاب الجمهور وإثارة الجمهور بل وتحريضه،{أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ}[110]، وهذه ميزة أخرى في خطبة الزهراء عليها السلام .
جمع الزهراء عليها السلام في خطبتها بين تحليل القضية وتحميل المسؤولية:
هناك ميزة أخرى وهي أنها جمعت بين التحليل في القضية والتحميل للمسؤولية، فقد تجد عند المتكلم أو الكاتب منهج التحليل بعد التوصيف، كما يصنع الخبير الذي يحلل القضية تحليلاً علمياً ولا يرتبط حديثه بتحريك الناس أو تحميلهم المسؤولية، فربما يتحدث عن الأزمة الاقتصادية في بلد ما ويشير إلى أسبابها العالمية أو المحلية، لكنه لا يتوجه بخطاب للناس.
بينما يأتي آخر يحرص في خطابه على الحديث مع الناس، فالواعظ الديني أو المربي الأخلاقي أو الزعيم السياسي الذي يريد إشراك الناس في حل الأزمة الاقتصادية سوف يتحدث في خطابه عن عدم الإسراف وحسن التدبير في المعيشة فهو يحمل الناس مسؤوليتهم ويأمرهم بفعل كذا وترك كذا لمواجهة هذه الأزمة الاقتصادية، فهناك كان الخطاب تحليليا وهو كشف الأسباب التي أدت لهذه الأزمة وهنا اختلف المنهج ليصبح توجيهيا افعلوا كذا أو اتركوا كذا.
جمعت الزهراء عليها السلام في هذا الخطاب بين الأمرين، فبينت لماذا حصل الانقلاب؟ وكيف تحقق الانحراف؟ وأن القضية غير منفصلة عن سياقها التاريخي، إذ يوجد تأريخ لهذه الفئة وكان ذلك كما خاطبتهم «تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، وتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبارَ، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزالِ، وَتَفِرُّونَ عِنْدَ القِتالِ».
بينما تأريخنا أهل البيت هو«قَذَفَ أخاهُ في لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِماخَها بِأَخْمَصِهِ» هذا تحليل للقضية وفي الطرف الآخر تحميل للمسؤولية، مسؤولية الحاضرين وأنهم لابد لهم بأن يتحركوا ويواجهوا وإلا فإنهم مسؤولون.
هذه وما سبقها من ميزات الخطبة الشريفة. وأمَّا:
مجمل مواضيع الخطبة:
فبالرغم من أن في كل فقرة موضوعا، وهداية، وإرشادا وفكرة، إلا أننا سوف نجمل المواضيع بشكل عام.
هامش
110 سورة التوبة: آية 13