تعريف الزهراء عليها السلام لله تعالى وتنزيهه عن الرؤية:
ثم بعد ذلك عطفت الزهراء عليها السلام بالشهادة «وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإْخْلاصَ تَأْويلَها، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَأَنارَ في الْفِكَرِ مَعْقُولَها. الْمُمْتَنِعُ مِنَ الأبْصارِ رُؤْيِتُهُ»، فلا يأتي أحد ويقول روي عن الرسول صلى الله عليه وآله في بعض الصحاح[112] أنكم ترون ربكم يوم القيامة عيانا كما ترون البدر ليلة كماله وتمامه، وللأسف فإن هذه عقيدة الأكثر من المسلمين (باستثناء الشيعة والمعتزلة وقسم قليل من المحققين من الأشاعرة) وإلا فإن الأمر كما جاء في الحديث بل هو أكثر فإذا كان الحديث المذكور يثبت رؤية الناس الله (والعياذ بالله) يوم القيامة، فإن هناك من أتباع المدرسة السلفية من يقول إن رؤيته (سبحانه وتعالى عن ذلك) في المنام ممكنة[113] بل هي حاصلة! بل لقد صرح أحد الدعاة بقوله كما هو مسجل بالصوت والصورة على الانترنت بقوله «سابقا كنت مترددا في أن الله يرى أو لا يرى ولكن الموضوع الآن عندي شيء طبيعي لأني رأيت الله عشر مرات»!!.
هنا تأتي الهداية المعصومة، حيث تقول الزهراء عليها السلام «الْمُمْتَنِعُ مِنَ الأبْصارِ رُؤْيِتُهُ»، استحالة عقلية فلسفية، يمتنع على الأبصار أن تراه سواء كان ذلك في الدنيا أو الآخرة! وكذلك يمتنع «مِنَ اْلأَلْسُنِ صِفَتُهُ»، بل«وَمِنَ الأَوْهامِ كَيْفِيَّتُهُ»، لاحظ التدرج في المراحل السابقة.
وما جرى على لسان الصدّيقة فاطمة هو المطابق للقرآن الكريم الذي يصرح بأنه {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[114]، ويقول لنبيه الكريم موسى بن عمران بعد أن طلب منه الرؤية لما سأله اليهود ذلك {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي}[115] ولن تراني نفي تأبيدي في هذه النشأة وما بعدها.
هامش
112 الحَمِيدي، ابن أبي نصر: الجمع بين الصحيحين ١/٣٢٤ عَن جرير بن عبد الله قالَ: كُنّا جُلُوسًا لَيْلًا مَعَ النَّبِي ﷺ، فَنظر إلى القَمَر لَيْلَة أربع عشرَة فَقالَ: «إنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَما ترَوْنَ هَذا، لا تضامون فِي رُؤْيَته. فَإن اسْتَطَعْتُم ألا تغلبُوا على صَلاة قبل طُلُوع الشَّمْس وقبل غُرُوبها فافعلوا. ثمَّ قَرَأ: ﴿فاصبر على ما يَقُولُونَ وسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وقبل الغُرُوب﴾ [سُورَة: ق]. وفِي رِوايَة:» إنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم عيانًا «.113 الراجحي، عبد العزيز: شرح الاقتصاد في الاعتقاد - ١٠/٩: رؤية الله في المنام ثابتة، يثبتها جميع الطوائف، إلا الجهمية من شدة إنكارهم للرؤية حتى أنكروا رؤية الله في المنام، قال شيخ الإسلام: إن جميع الطوائف أثبتوا رؤية الله في المنام إلا الجهمية؛ لشدة إنكارهم لرؤية الله حتى أنكروا رؤية الله في المنام..
ولكن في جواب للشيخ عبد العزيز بن باز ما لو تم التوجه له بدقة لكان ينتهي إلى إنكار هذه الرؤية المنامية فقد سئل: ما حكم من يدعي أنه قد رأى رب العزة في المنام؟ وهل كما يزعم البعض أن الإمام أحمد بن حنبل قد رأى رب العزة والجلال في المنام أكثر من مائة مرة؟ وكان [الجَوابُ] الحمد لله
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وآخرون أنه يمكن أنه يرى الإنسان ربه في المنام، ولكن يكون ما رآه ليس هو الحقيقة؛ لأن الله لا يشبهه شيء سبحانه وتعالى، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الشورى/ ١١ فليس يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن قد يرى في النوم أنه يكلمه ربه، ومهما رأى من الصور فليست هي الله جل وعلا؛ لأن الله لا يشبهه شيء سبحانه وتعالى، فلا شبيه له ولا كفو له.
أقول: هذا الاستدراك من بعد لكن.. يعني أنه مهما رأى من الصور فليست هي الله.. وإنما صورة خلقها النائم ووهم وصل إليه، مثلما يصور حيوانا بألف رأس وبحرا من الذهب.. فهي لا تتجاوز الأوهام فكيف يقول شخص إنه رأى الله في المنام؟ إنما رأى أوهامه وخيالاته!
114 الأنعام:103
115 الأعراف: 143