والآخر: أن تحقق مطالبك من خلال تحويل القضية إلى قضية رأي عام، وهذا يشكل ضغطاً على رئاسة الدولة، فلا ترى طريقا لها إلا الاستجابة لتلك المطالب، وهذا ملحوظ في الغرب والدول الديمقراطية يلاحظ كيف أن بعض الزعماء الدينيين أو السياسيين يخاطبون جماهير الناس فينزل الجمهور إلى الشارع ويضغطون على الرؤساء والحكام، فهذان منهجان مختلفان.
وقد جمعت الزهراء عليها السلام في هذه الخطبة بين النهجين، في نفس الوقت الذي خاطبت الأنصار وهم القوة الكبرى في المدينة الذين كانوا محل اعتماد النبي صلى الله عليه وآله، حتى أن النبي صلى الله عليه وآله عندما يريد أن يتخذ قراراً عاماً كان ينتظر خبر الأنصار.
ففي قضية بدر مثلاً حينما وصل الخبر إلى النبي صلى الله عليه وآله أن قريشاً حركت قواتها باتجاه المدينة المنورة للقتال مع أصحابه، أخبرهم بذلك وقال لهم أشيروا علي، فقام بعض الصحابة وقال:«هذه قريش وخيلاؤها ما ذلت منذ عزت» أي أن قريشاً ليست بالأمر السهل، فلم يعجب ذلك القول رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعدها قام آخر وقال نفس الكلام أو قريبا منه ولم يعجب الرسول فقال الرسول صلى الله عليه وآله أيضاً: هيه! فقام سعد بن عبادة وقيل سعد بن معاذ - وهما أنصاريان - فقال للرسول صلى الله عليه وآله: وكأنك تريدنا يا رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وآله: بلى، فقال يا رسول الله إنا آمنا بك، صدقناك واتبعناك فخض بنا البحر فلو أمرتنا أن نخوضه لخضناه معك - يعني أي شيء تريده يا رسول الله نفعله تريد أن نخرج للقتال نخرج، أو تريد أن نتحصن سوف نتحصن، نحن رهن إشارتك وطوع أمرك - فَسُر رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، وهؤلاء الأنصار كانوا يشكلون القوة الكبرى في المدينة.
السيدة الزهراء عليها السلام أيضا خاطبت الأنصار «إيْهاً بَنِي قَيْلَةَ»[108] في هذا الموضع وفي موضع آخر كما سيأتي.
وكذلك خاطبت رئيس الدولة:«أفي كِتابِ اللّهِ أنْ تَرِثَ أباكَ، وِلا أرِثَ أبي؟{لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا}[109]، أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللّهِ، وَنَبَذْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ أمام الناس».
ولما رد عليها أيضاً بعد هذا فَقَالَ:«يَا ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ، لَقَدْ كانَ أَبُوكِ بالمُؤْمِنِينَ عَطُوفاً كَريماً، رَؤُوفاً رَحِيماً، وَعَلىَ الْكافِرِينَ عَذاباً ألِيماً وَعِقاباً عَظِيماً ما عَدَوْتُ رَأْيَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله يَقُولُ: نَحْنُ مَعاشِرَ الْأَنْبِياءِ لا نُوَرِّثُ ذَهَباً وَلا فِضَّةً وَلا داراً وَلا عِقاراً، وَإنَّما نُوَرِّثُ الْكُتُبَ وَالْحِكْمَةَ، وَالْعِلْمَ وَالنُّبُوَّةَ».
هامش
108 ذكروا أن قيلة هي جدة الأوس والخزرج، وهما فرعا الانصار، وهذا من ذكاء الخطاب حيث خاطبتهم باعتبارهم وحدة واحدة.
109 سورة مريم: آية 27