الخطبة بين الخطاب العقلي والعاطفي:
من هذه الميزات أننا نلاحظ تزاوجاً في هذه الخطبة بين العقل والعاطفة بدرجة كبيرة، بعض الخطابات تكون خطابات عاطفية تحتاج إلى أسلوب معين وبعضها الآخر خطابات علمية (دروس، أبحاث، محاضرات عميقة)، فهذه تحتاج إلى اسلوب خاص وتلك الخطبة العاطفية المشاعرية تحتاج إلى اسلوب آخر، ومن العسير عادة أن يجعل الإنسان نفس الخطبة العلمية كأن يلقي مثلا درسا في الأصول أو درسا في الفيزياء أو غير ذلك ويستخدم أسلوبا عاطفيا ومشاعريا محركا للإنسان، وكذا العكس فعندما يريد أن يحرك عواطف المستمع يصعب عليه أن يخوض في أمور علمية دقيقة ومركزة.
خاضت الزهراء عليها السلام في هذه الخطبة في أدق المباحث العلمية فيما يرتبط بمعرفة الله عز وجل، فقالت عليها السلام :«اِبْتَدَعَ الأَشَياءَ لا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَها» يتساءل العلماء عن هذه الجملة لماذا قالت «لا من شيء كان قبلها» ولم تقل: ابتدع الأشياء من لا شيء كان قبلها؟، وهذا بحث مهم في العقائد، وهكذا عند استدلالها بآيات القرآن استدلالاً فقهياً، ومعالجتها للآيات العامة والمطلقة ودعوى التخصيص وهل هناك مانع من انعقاد العموم؟ وغير ذلك من المباحث التي يذكرها علماء الفقه والأصول فهذا الجانب العلمي نراه موجودا في خطبة الزهراء عليها السلام .
كذلك فإن الجانب العاطفي والمشاعري والإثارة القلبية أيضا كان موجودا في ثنايا هذه الخطبة، ولذلك تفاعل الناس بالبكاء عند استماعهم للخطبة، «إيْهاً بَنِي قَيْلَةَ! أاُهْضَمُ تُراثَ أبِي وَأنْتُمْ بِمَرْأى مِنّي وَمَسْمَعٍ، ومُنتدىَ وَمَجْمَعٍ؟! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وتَشْمُلُكُمُ الْخَبْرَةُ، وَأنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالأَداةِ وَالْقُوَّةِ، وَعِنْدَكُمُ السِّلاحُ وَالْجُنَّةُ؛ تُوافيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ، وَتَأْتيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغيثُونَ» أو في موضع آخر تقول:«ألا وَقَدْ قُلْتُ ما قُلْتُ عَلى مَعْرِفَةٍ مِنّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خامَرَتْكُمْ».
كما أنها تضمنت تقريع المخاطبين من خلال التذكير بالماضي المشرق الذي كان للأنصار في نصرة النبي ورسالته والحاضر السيء من الخذلان والتراجع «نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ حَتَّى دَارَتْ بِنا رَحَى الإسلام، وَدَرَّ حَلَبُ الأَيّامِ»، أو قولها: «فمججتم الذي شربتم فأنّى حرتم بعد البيان؟، ونكصتم بعد الاقدام، وَدَسَعْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ» - أي تقيأتم ذلك وتراجعتم عن كل تلك المواقف السابقة – هذه الجهة العاطفية في أرقى درجتها وهناك الجهة العلمية كذلك كانت في أرقى درجتها.
المنهج المنطقي لإحداث التغيير في المجتمع:
هذه الخطبة تجمع بين خطابين، خطاب لعامة الناس وخطاب لرئيس الدولة:
إننا نلاحظ في العمل السياسي أن يكون أحد منهجين لتحقيق المطالب من الشعوب:
الأول: يقول بأنك إذا أردت أن تحقق مطالبك اكتب لرئيس الدولة، خاطب رئيس الدولة مباشرة ليس لك شغل بعامة الناس، لا تتحدث بشكل علني وجماهيري لعامة الناس.