حادثة إلقاء فاطمة الزهراء عليها السلام للخطبة هي قضية تاريخية بهذا المعنى، وليست حادثة فقهية أو حكم فقهي، فحينما أجمع القوم على منعها فدكاً خرجت إلى المسجد وألقت هذه الخطبة.
الموضوع التاريخي يحتاج إلى منهج تاريخي، ومن المنهج التاريخي كثرة القرائن مثلاً: نحن نأتي ونرى في كتب اللغة، كتاب اللغة ليس موضوعًا للموضوع التاريخي ولكن مع ذلك نستطيع أن نستفيد منه، فنأتي ونرى بعض اللغويين في كلمة لُمّة، «جاءت فاطمة في لُمّة من نسائها» فإنه يذكر في لسان العرب[105] وفي النهاية لابن الأثير وفي غيره، مفردة لُمّة: جماعة من ثلاثة إلى عشرة، وقد ورد في الأخبار أن فاطمة عليها السلام لما أجمع الخليفة على منعها فدكاً أنها خرجت في لُمّة من نسائها، هذا الناقل ليس بشيعي وليس بصدد إثبات الأمر العقائدي، وأيضا كلمة هَنْبَثَة لأنها قالت في آخر الخطبة
قد كان بعدك أنباء وهنبثةٌ
لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطُبُ
ورود الخطب في الكتب اللغوية والتاريخية:
من خلال هذه الخطبة نأتي ونرى كتب اللغة قد تحدثت عنها، أيضا كتب البلاغة التي تتحدث عن الأمور البلاغية مثل كتاب بلاغات النساء لابن طيفور أحمد بن طاهر البغدادي المتوفى سنة 280 هجرية تقريبا وهو ليس من الشيعة وعنده كتاب خاص بالنساء البليغات وخطبهن البليغة وهو ليس في صدد الحديث عن موضوع ديني أو عقائدي وإنما في صدد الحديث على أن عدداً من النساء المسلمات كن بليغات في اللغة العربية ومتضلعات، فأورد خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام باعتبارها نموذجاً أعلى في البلاغة. فهو ليس هو في أمر عقائدي وإنما في صدد الاستشهاد على الموضوع البلاغي.
كما أوردتها الكتب التاريخية مثل كتاب السقيفة وفدك لأحمد بن عبد العزيز الجوهري المتوفى سنة 323 هجرية، وهذا من مشائخ الطبراني صاحب المعجم وهو كما وصفه ابن أبي الحديد وغيره أنه رجل حافظ للأخبار، كثير العلم، حسن التصانيف، ورعٌ في النقل وبالرغم من أنه لم يكن على مذهب الإمامية إلا أنه أثبت هذه الخطبة في كتابه السقيفة وفدك.
هذه القرائن منضمة بعضها مع البعض الآخر من استشهادات لغوية، ومن إيرادها كنموذج من نماذج البلاغة وأمثال ذلك من إيرادها في الكتب التاريخية لغير المؤرخين الإمامية، تفيد عن حصول هذه الخطبة وإلقاء فاطمة عليها السلام لها، وهذا بناء على المنهج التاريخي في البحث يكون من القرائن القوية، وبالطبع هنالك قرائن كثيرة أخر لا يسع المقام لذكرها.
هامش
105 ابن منظور: لسان العرب 1/203 وتاج العروس 1/ 42 وتهذيب اللغة 1/ 288 والفائق 213