وشاهد ذلك القريب أنه انتشرت قبل مدة من الزمان قصيدة[104]في موضوع علاقة الشيعة بالبكاء على الحسين ونسبت القصيدة لنزار قباني وعندما عرضت على العارفين قالوا ليس هذا أسلوب الشاعر ولا هو فكره ولا هي مفرداته ولا ألفاظه، ولا يمكن أن تخرج هذه الألفاظ من عنده، وبعد البحث تبين أنها لشاعر من شعراء البحرين ولا ترتبط بنزار قباني، فيستطيع العارفون بالأدب وباللغة تمييز قصيدة المتنبي وقصيدة شاعر من هذا الزمان، وخطبة علي بن ابي طالب وخطبة فلان بن فلان في معانيها وفي أساليبها.
عندما نتأمل خطبة الزهراء عليها السلام نرى فيها من المعاني الراقية والعميقة التي لا تتيسر إلا لمن كان يفرغ عن معدن الوحي والنبوة ولا تأتي إلا لمن أخذ هذا العلم من سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله. ونسبتها إلى فاطمة الزهراء عليها السلام هي كما قال الشاعر المتنبي عن ناقته: سَبوحٌ لها منها عليها شواهد.
وقسم من فقراتها قد ورد في كلمات أمير المؤمنين، والإمام الرضا عليهما السلام كما ورد أمثالها في خطبتها الثانية وهي تشكل نسيجا واحدا وقماشة متجانسة.
رابعاً: هل القضايا التاريخية كالقضايا الفقهية تحتاج لسند متصل لاثباتها؟
هنا أريد أن يلتفت القارئ معي إلى الفرق بين الاثبات الفقهي والإثبات التاريخي، فقد يتصور قسم من الناس أن القضايا التاريخية هي كالقضايا الفقهية لابد لكل شيء فيها من سند متصل وذلك لأنه سيترتب عليها أن يتم نسبة حكم لله تعالى. إلا أن الأمر في البحث التاريخي مختلف عن المنهج في البحث الفقهي فهو يعتمد على أساس القرائن ولذلك لا يستطيع المؤرخ ان يطلب في كل قضية تاريخية تفصيلية سنداً متصلاً معتبرا لمن شهدها ولو كان كذلك لانعدمت التفاصيل التاريخية.
الآن لو نأخذ مثلاً غزوة بدرـ ولا يوجد أشهر منها مع ذلك لا يستطيع مؤرخ أن يأتي بكل ما ورد فيها بأسانيد صحيحة، ولو أراد أن يقتصر على الأسانيد فإنه لا يستطيع إلا أن يأتي بعشر معلومات عنها، أما هذه التفاصيل الكثيرة فلا؛ وإنما هي تعضدها القرائن التاريخية، فلان قال هكذا وهذه النقطة حدثت في مكان ما، تتعاضد فتعطي انطباعا عند المؤرخ واطمئناناً بمثل هذا الموضوع.
هامش
104 هي من قصائد الشاعر البحراني علي الغسرة ومنها:
سأل المخالف حين أنهكه العجب
هل للحسين مع الروافض من نسب
لا ينقضي ذكر الحسين بثغرهم
وعلى امتداد الدهر يُوقِدُ كاللَّهب!
وكأنَّ لا أكَلَ الزمانُ على دمٍ
كدم الحسين بكربلاء ولا شرب
أوَلَمْ يَحِنْ كفُّ البكاء فما عسى
يُبدي ويُجدي والحسين قد احتسب؟
فأجبته ما للحسين وما لكم
يا رائدي ندوات آلية الطرب