الثانيةً: استفاضة الخطبة تغني عن تتبع سندها
يعتقد بعض الباحثين أن هذه الخطبة لا تحتاج إلى تحقيق السند نظراً لكثرة الأسانيد وتظاهرها وتظافرها واشتهار الخطبة بحيث أصبح يستدل بها ولا يستدل عليها. ومن المعروف بين العلماء أن اشتهار كلام وتظافر رواياته، يكون من أقوى القرائن على صحة انتسابه، بل يراه البعض أقوى من ثبوته بسند واحد صحيح وجهة ذلك أنه إذا تعددت الطرق، واشتهرت الرواية في الأجيال المختلفة تفيد علما عرفيا بانتسابها إلى قائلها، وهذا أقوى من صحة السند الذي يبقى في دائرة الظن (وإن كان معتبرا) كما هو مفاد خبر الثقة.
سيأتي بعد قليل الاشارة إلى أن أهل اللغة تطرقوا إلى الخطبة وأشاروا إليها عند حديثهم عن عدد من الكلمات التي سبق وأن وردت في خطبة الزهراء عليها السلام ، وأن الفقهاء أيضا تعرضوا لها واستشهدوا بما ورد فيها مما يتصل بالأحكام الشرعية، وهكذا أهل التاريخ..
وأما أهل الحديث والرواية فقد ذكروا أن لها طرقا كثيرة، بعضها ينهيها إلى ابن عباس وبعضها ينهيها إلى زينب بنت أمير المؤمنين إلى فاطمة وهذه نفسها بعدة طرق أيضا بعضها ينتهي إلى زيد بن علي بن الحسين الشهيد وبعضها الآخر ينتهي إلى الإمام الباقر عليه السلام وبعضها إلى عبدالله بن الحسن من بني هاشم، بالإضافة – وهذا من الغريب ولم أعثر عليه ولكن مذكور في بعض الكتب - أن بعض هذه الطرق تنتهي إلى عائشة بنت أبي بكر، فإذاً هنالك طرق مختلفة متعددة متظافرة وآنئذ لا نحتاج إلى أن نروي بسند واحد عن فلان عن فلان عن فلان[99].
الثالثة: متن الخطبة يصحح سندها
مما يذكر في هذا الاتجاه أننا نستطيع تصحيح السند بالمتن.. فلو أردنا أن نأخذ مثلاً القرآن الكريم والذي جاء به سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله، كان العامل الرئيس في إثبات أنه من الله عز وجل أنه كلام معجز من حيث المعنى ومن حيث الصياغة {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[100].
هامش
99 وقد صرح بذلك المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه أبو هريرة ص ١٣٩ فقال:السلف من بني علي وفاطمة يروى خطبتها في ذلك اليوم لمن بعده ومن بعده رواها لمن بعده، حتى انتهت إلينا يدا عن يد، فنحن الفاطميين نرويها عن آبائنا وآباؤنا يروونها عن آبائهم، وهكذا كانت الحال في جميع الأجيال إلى زمن الأئمة من أبناء علي وفاطمة ودونكموها في كتاب احتجاج الطبرسي وفي بحار الأنوار وقد أخرجها من اثبات الجمهور واعلامهم أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة وفدك بطرق وأسانيد ينتهي بعضها إلى السيدة زينب بنت علي وفاطمة وبعضها إلى الإمام أبي جعفر محمد الباقر، وبعضها إلى عبد الله بن الحسن بن الحسن يرفعونها جميعا إلى الزهراء كما في ص 87 من المجلد الرابع من شرح النهج الحميدي، وأخرجها أيضا أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني بالاسناد إلى عروة ابن الزبير عن عائشة ترفعها إلى الزهراء كما في ص 93 من المجلد الرابع من شرح النهج وأخرجها المرزباني أيضا كما في ص 94 من المجلد المذكور بالاسناد إلى أبي الحسين زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده يبلغ بها فاطمة عليها السلام ، ونقل ثمة عن زيد أنه قال رأيت مشائخ آل أبي طالب يروونها عن آبائهم ويعلمونها أولادهم..
100 سورة الإسراء: آية 88