وبالرغم من أن النبي كان عند الناس وخصوصا عند قريش صادقاً وأميناً ولكن الأساس الوثيق لهذا القرآن كان إعجاز القرآن معنىً ولغةً، فحتى الذي كان لا يعتقد بصدق النبي صلى الله عليه وآله لما يأتي ويعرض عليه القرآن بإعجازه يخضع له ويقتنع به[101].
وهذا الأمر بنسبة من النسب صادق في أخبار المعصومين عليهم السلام [102]، فإن لكل متكلم سبكا وصياغة خاصة للكلام، ومن خلاله يعرف أن هذا صحيح النسبة لفلان، أو غير صحيح، إن من السهل على العارفين بأساليب اللغة أن يميزوا مثلا بين شعر المتنبي وشعر نزار قباني! وما بين كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام وكلام غيره[103].. وتمت الاشارة إليه فعندما نخرج من الأمر القرآني إلى باقي النصوص، نجد أن بعض العلماء يقولون أن ما ورد من الأخبار عن الإمام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله «إن على كل حقٍ حقيقةً وعلى كل صوابٍ نوراً فما جاءكم عني فاعرضوه على القرآن فما وافق القرآن فخذوه وما خالف القرآن فدعوه» هو أحد المقاييس التي يعرف بها العالم صحة وسقم الرواية، فإنه عندما نجد لغة رواية من الروايات متهالكة متهافتة، نقول هذه الرواية ليست عليها مسحة البلاغة النبوية، أو قد يكون معناها معنىً ضعيفاً ركيكاً، نقول هذا المعنى ليس من المعاني التي يطرقها النبي أو الإمام، وهذا مما ذكروه في نهج البلاغة، فإنه عندما حدث التشكيك في كون خطبه وكلماته لأمير المؤمنين عليه السلام، كان أحد الأجوبة هذا الذي ذكرناه.
عندما تقرأ قصيدة لشخص ما ويأتي ويقول لك هذه القصيدة لأبي الطيب المتنبي فإذا كنت عارفاً باللغة وبالشعر تتأمل فيها قليلاً فتقول هذه القصيدة لا تخرج من فم المتنبي!، مستوى المتنبي أكبر وأعظم من هذه القصيدة.
هامش
101 ابن كثير، البداية والنهاية، ٣/ ٧٨ قال الوليد بن المغيرة المخزومي لما سمع من النبي بعض آيات القرآن: ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته..
102 عن الإمام الصادق عليه السلام: أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء
103 قال ابن ابي الحديد في سياق رده على زعم أن نهج البلاغة منحول للامام عليه السلام: إن من قد أنس بالكلام والخطابة، وشدا طرفا من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب، لابد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح، وبين الفصيح والأفصح، وبين الأصيل والمولد، وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء، أو لاثنين منهم فقط، فلا بد أن يفرق بين الكلامين، ويميز بين الطريقتين، ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده، لو تصفحنا ديوان أبي تمام، فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام ونفسه، وطريقته ومذهبه في القريض، ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه، لمباينتها لمذهبه في الشعر، وكذلك حذفوا من شعر أبي نواس شيئا كثيرا، لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه، ولا من شعره، وكذلك غيرهما من الشعراء، ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة.
وأنت إذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماء واحدا، ونفسا واحدا، وأسلوبا واحدا، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الابعاض في الماهية، وكالقرآن العزيز، أوله كأوسطه، وأوسطه كآخره....)