وربما لهذا السبب أثنى الإمام الصادق على كلام هشام بن الحكم، وحواره مع عمرو بن عبيد[97]، مع أنه لم يكن بحسب الفرض قد قرأه في كتاب أو نقله عن معصوم! فقد جاء هشام بن الحكم إلى الإمام الصادق عليه السلام – وهشام هذا هو أحد أصحاب الإمام – فقال له الإمام: أخبرني كيف صنعت مع عمرو بن عبيد - أحد المتكلمين من المدرسة الأخرى - في الاستدلال على الإمامة؟ فيقول قلت له: عندك يد؟ فقال نعم، عندي يد. فقال له: عندك عين؟ قال: نعم. قال له: ماذا تفعل بها؟ قال: كذا أصنع. قال له: عندك أنف؟ قال: نعم كذا أصنع به. قال له: عندك فم؟ قال: نعم كذا أصنع به. قال له: عندك قلب -اي عقل- قال: بلى. قال له: ما تفعل به. قال: يسيطر على كل هذه ويوجهها. قال له: موقع الإمام هو موقع القلب من البدن. العين ترى والأنف يشم واليد تبطش لكن يوجد هنالك ناظم يجمع هؤلاء ويحرك هذه حسب وظيفتها فموقع الإمام هو هكذا.
لم يكن هشام بن الحكم قد سمع نص هذا الكلام من أحد ولكن هذا الكلام منطقي ومبرهن لا يحتاج بأن يقول أنا سمعته من الإمام وأنقله عبر الروايات والأسانيد، ومن هذا الباب ترك صاحب كتاب الاحتجاج الشيخ أحمد بن علي بن طالب الطبرسي رضوان الله تعالى عليه الاعتماد على الاسانيد فقال في مقدمة كتابه:.. ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده إما لوجود الإجماع عليه أو موافقته لما دلت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف [98]..
هامش
97 العلامة المجلسي؛ بحار الأنوار ٥٨/٢٤٨ عن مجالس الصدوق: كان عند أبي عبد الله الصادق عليه السلام جماعة من أصحابه فيهم حمران بن أعين، ومؤمن الطاق وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة من أصحابه فيهم هشام بن الحكم وهو شاب.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام، قال: لبيك يا بن رسول الله، قال: ألا تحدثني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟ قال هشام: جعلت فداك يا بن رسول الله، إني اجلك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أمرتكم بشئ فافعلوا. قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة. وعظم ذلك علي، فخرجت إليه ودخلت البصرة في يوم الجمعة، فأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة، وإذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء متزر بها من صوف، وشملة مرتد بها. فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ثم قلت: أيها العالم، أنا رجل غريب، تأذن لي فأسألك عن مسألة؟ قال: فقال:
نعم، قال: قلت له: ألك عين؟ قال: يا بني أي شيء هذا من السؤال؟! فقلت: هكذا مسألتي. فقال: يا بني سل وإن كانت مسألتك حمقاء. قلت: أجبني فيها، قال: فقال لي:
سل، قلت: ألك عين؟ قال: نعم، قلت: فما ترى بها؟ قال: الألوان والاشخاص. قال: قلت: فلك أنف؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أتشمم بها الرائحة.
قال: قلت: ألك فم؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع به؟ قال: أعرف به طعم الأشياء. قال: قلت: ألك لسان؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع به؟ قال: أتكلم به، قال: قلت: ألك اذن؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الأصوات. قال: قلت: ألك يد؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع بها؟ قال: أبطش بها. قال: قلت: ألك قلب؟ قال: نعم، قلت: وما تصنع به؟ قال: أميز كل ما ورد على هذه الجوارح. قال: قلت:
أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ قال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟ قال: يا بني إن الجوارح إذا شكّت في شيء شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته أو لمسته رد ته إلى القلب فييقن اليقين ويبطل الشك. قال: فقلت: إنما أقام الله القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم، قال: قلت: فلا بد من القلب وإلا لم تستقم الجوارح؟
قال: نعم، قال: فقلت: يا أبا مروان إن الله - تعالى ذكره - لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح وييقن ما شك فيه ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم وحيرتهم ويقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك؟! قال: فسكت ولم يقل شيئا. قال: ثم التفت إلي فقال: أنت هشام؟ فقلت: لا، فقال لي: أجالسته؟ فقلت: لا، قال: فمن أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: فأنت إذا هو، قال: ثم ضمني إليه وأقعدني في مجلسه وما نطق حتى قمت. فضحك أبو عبد الله الصادق عليه السلام ثم قال: يا هشام من علمك هذا؟ قال: قلت: يا ابن رسول الله جرى على لساني. قال: يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى.98 الطبرسي: الاحتجاج 1/ 10 مقدمة الكتاب.