3/ وأما الجواب الحَلّي: فإن الإمامية يعتقدون أن أمير المؤمنين عليه السلام، كان أشجع الكل وأغير الكل، ولكن شجاعته وغيرته لم تكن منفلتة ودون ضوابط وإنما هي محكومة بالحكم الشرعي وبالحكمة العملية.
وذلك أننا قد نجد أناسا لديهم قوة وشجاعة، ولكنهم يستعملونها ضمن الروح الجاهلية ذات منطق:
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فإذا اعتدى عليهم شخص وقتل منهم واحدا، ردوا عليه بقتل عشرة من عشيرته، وإذا سبهم بكلمة شتموه بمئات من الكلمات، وإذا جر الأمر إلى القتال فلا مانع لديهم.. وهذه هي الروح الجاهلية التي كانت تحكم الناس سابقا، وآثارها إلى اليوم مركوزة في نفوس البعض.
وهناك شجعان وفرسان لا يقوم لهم أحد في ميدان القوة والمواجهة، ولكنهم مع ذلك لا يحركونها إلا ضمن إطار الجائز شرعا بل الواجب، ولا يرسلونها انتقاما لأنفسهم أو تحقيقا لغضبهم! ومنهم أمير المؤمنين عليه السلام. فهو صاحب «لا فتى إلا عليٌّ لا سيف إلا ذو الفقار» و«برز الإيمان كله إلى الشرك كله». ولكنه في الموارد التي ليس مأمورا فيها بسل السيف بل هو مأمور شرعا بإغماده، لا يستطيع أن يتخذ قرارا بحظ النفس وإنما هو يقرر ضمن أمر الشرع، والحكمة.
إننا نعتقد أن بطولة عليٍّ عليه السلام كانت هي البطولة المنضبطة ضمن إطار أهدافه، بل قوته هي في انضباط قوته، ولذلك لما رأى أن مصلحة الدين تقتضي ألّا يقاوم تيار الخلافة، فعل ذلك وقعد.
بل لا مانع لديه أن يكون مظلوما كما أجاب معاوية بن أبي سفيان «.. وقلت: إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه، ولا مرتابا في يقينه..»[73].
لم يكن صلوات الله عليه عاجزا، وإنما كان حكمه الشرعي ألا يفجر الحرب الأهلية بين المسلمين، مع تربص الأعداء بدولة النبي وتحينهم الفرصة للقضاء على إنجازاته صلى الله عليه وآله.
تماما مثلما كان النبي صلى الله عليه وآله مقيدا في الفترة المكية ألّا يقاتل وألّا يدفع المسلمين إلى القتال والمقاومة، وإنما إلى الصبر مهما ارتكب منهم، ثم إلى الهرب بدينهم والهجرة من وطنهم، بل هو صلوات الله عليه وآله، كان من أوائل المهاجرين بعد أن أمر المؤمنين به بذلك.
فلماذا لم يقاوم النبي ويقاتل الكفار في مكة، والله قادر على نصره؟ السبب أنه لم تأت أحكام القتال ولم يحصل تحقق في الظروف الخارجية إلى أن جاءت {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ}[74].
هامش
73 ابن حمدون: التذكرة الحمدونية٧/١٦٦، والطبرسي في الاحتجاج: مصدر سابق
74 الحج: 39