وبنفس الصورة يكون غير الشيعي الذي مصادره لا تحتوي على منازل ومقامات المعصومين الأربعة عشر، إلا بالنحو اليسير، بل هو يتعامل معهم باعتبارهم أناسا عاديين! وفي أحسن الفروض على أنهم علماء متقون ورواة صادقون! ولكنهم في باقي القضايا كسائر الناس لا يمتازون عنهم بشيء!
وقد التفت لهذه الجهة شيعة أهل البيت عليهم السلام، فحاولوا إثبات المقامات والفضائل للمعصومين وخصوصا السيدة الزهراء من كتب خصومهم، ومن مصادر مدرسة الخلفاء.
وقد ظن بعض من لا دراية له، أن هذا دليل على أن الشيعة لا يعتقدون بكتب مدرستهم الخاصة، ولا يثقون بها وإنما يثقون بمصداقية كتب مدرسة الخلفاء ولذلك يستدلون بها! وهذا توهمٌ وقلة معرفة فإن من أصول النقاش المذهبي والجدل وقواعد الالزام هو أن تستدل على الخصم بما يقبله هو، لا بما لا يقبله! ومن المعلوم أن أتباع مدرسة الخلفاء لا يقبلون أحاديث الأئمة كحجة شرعية. فكان المناسب أن يُحتج عليهم بما هو ثابت عندهم.
ومن الأسباب محدودية البشر في مقاييسهم:
فإنه لما كانت هذه المناقب والدرجات تنتمي إلى عالم الغيب، وكان الانسان في هذه الحياة محدودا بحدود الحواس الخمس وأقصى آفاقه لا تصل إلا إلى حاجاته عادة؛ حيث تم تزويده ليعيش في هذه الدنيا ضمن هذه الحواس وبمقدارها! فكانت آفاق الغيب وعوالمه بعيدة عن هذه المقاييس وأكبر منها.
بل إنه حتى في حدود دائرة الشهود والواقع الخارجي لم يعطَ من الإمكانات إلا بمقدار ما يحتاج إليه، فبصره لا يستطيع أن يكتشف ما كان على بعد عشرات الكيلومترات، وأذنه لا تستطيع أن تسمع دبيب النمل أو خطاب الحشرات فيما بينها ولا يسمع صوت الأرض وهي تتحرك أو الأجرام وهي تدور! هذا في الواقع الخارجي المشاهد والمعاين! فكيف يستطيع أن يتعامل مع قضايا الغيب والتي لا يمكن تناولها بهذه الحواس أصلا؟
نعم وضع الله سبحانه طريقًا للإيمان بذلك هو طريق السمع من الأنبياء والأوصياء الصادقين، وهو جزء من الإيمان به سبحانه وبهم. فإذا قال النبي محمد صلى الله عليه وآله: إن فاطمة سيدة نساء العالمين، أو أن نورها خلق قبل خلق السماوات والأرض أو أن مهرها هو خمس الأرض! فسواء كان هذا متوافقا مع استيعاب البشر أو لم يكن، ينبغي تصديقه ما دام قد ورد بطرق معتبرة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله، وعن أهل البيت فيما يعتقده الشيعة حيث لا يفرقون بين قولهم وقوله.
ومنها اختلاط الصحيح من المناقب بالسقيم:
فقد عمل الأعداء لتشويه صورة الدين ورموزه على وضع أخبار غير صحيحة فيما يرتبط بالمناقب، وسربوها إلى المصادر الحديثية في الطائفتين، وهذا أدى إلى اختلاطها بالصحيح من الروايات، على نحو يعسر فيه الفرز بينهما من قبل عامة الناس؛ فأثّر هذا على المناقب الصحيحة والروايات السليمة بحيث أصبح كل حديث يأتي فيه احتمال أن يكون موضوعا أو كذبا.
إني فاطمة وأبي محمد — صفحة 36
مساهمون: فوزي آل سيف
ص٣٦