لذلك جهدوا وجاهدوا من أجل إنكار الحادثة من رأسها، وحاربوا من أجل إلغائها من التاريخ والكتب! لكنهم كانوا كمن يغطي الشمس بغربال أو يحجبها بخيمة!
فالطريق الأسلم أن تنفى من داخلها، بجعلها شنيعة غير ممكنة، وهنا ركزوا على موضوع شجاعة عليّ مع أنهم لا يرونه أشجع الأصحاب ويقدمون عليه من يقدمون! وركزوا على غيرة الإمام عليه السلام! وسيأتي الجواب عليها في النقاط التالية.
2/ يقدم الإمامية جوابين: نقضيًّا ويهدف إلى إلزام الخصم، وحلّيًّا وهو يحل العقدة التي طرحها السؤال.
أما الجواب النقضي: فإننا نسأل هؤلاء هل أن الله قادر وغيور أو ليس كذلك؟ فإذا كان الله على كل شيء قدير، وهو خالق الغيرة في البشر فإذا كان كذلك فلماذا لم ينتصر لأنبيائه ورسله وأوصيائهم والمؤمنين المخلصين به؟ لقد نشر بعض الأنبياء بالمناشير وألقي بعضهم وبعض الأوصياء في حمم النيران، وعذب المؤمنون بالله العذاب الأشد، من قبل الطغاة.. وكل ذلك بعين الله لحظة بلحظة.. فلماذا لم تتحرك قوة الله وقدرته لتدمر على الظالمين وتغل أيديهم عن فعل ذلك العذاب؟
ثم ننزل إلى العباد.. أليس رسول الله صلى الله عليه وآله هو القائل: «كان أبي إبراهيم غيورًا وأنا أغيرُ منه وأرغم الله أنف من لا يغار من المؤمنين»[72]. فلماذا ترك النبي آل ياسر وهم يعانون أمرّ العذاب حتى لقد طعن أبو جهل سمية (أم عمار) بالحربة في قلبها(وقيل تحت بطنها) ولم يجرد السيف في وجه جلاديها ومعذبيها؟ واكتفى بالقول: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة؟
إننا نعتقد أن رسول الله أقوى وأشجع من علي بن أبي طالب ومن سائر الناس، وكان بإمكانه من الناحية الذاتية في ذلك الوقت أن يلقن هؤلاء درسا لا ينسونه.. فلماذا لم يفعل؟
بل لماذا لم يفعل ذلك معهم وهو القوي الشديد والشجاع المنصلت عندما كانوا يرمون عليه سلا البعير ويؤذونه؟ بل لقد رجموا منزله بالحجارة؟ ألم يكن غيورا على أصحابه والمؤمنين به؟ أليس غيورا على حرمة بيته؟ ألم يكن شجاعًا يرد الأذى عن نفسه؟
كل هذه الأسئلة التي توجه إلى الخالق تارة، وإلى النبي أخرى هي نفسها توجه للإمام أمير المؤمنين، والجواب عليها في الجميع واحد، وهو أنه ليس الأمر أمر وجود القوة أو الغيرة وإنما كل الأمر في استخدام تلك القوة والشجاعة وعاطفة الغيرة والاندفاع.. وأنه لا بد أن يكون منبعثا من الأمر الشرعي وبحسب مقتضيات الحكمة ولخدمة الهدف الذي يعتني به هذا الشجاع الغيور، فإذا كان استعمال الشجاعة مخالفا لأحكامه الشرعية، أو لا يتناسب مع خدمة أهدافه، فإنه يعتبر خرقا وحمقا!
هامش
72 الحر العاملي: وسائل الشيعة (الإسلامية)١٤/١٠٩