ومثل هذا النص جاء في البداية والنهاية لابن كثير، فإنه مع عدم المناسبة لذلك، أشار إلى ما اعتبره أحاديث موضوعة في تزويجها (ولعله يقصد رد النبي الاصحاب ومنعهم وتزويجه عليًّا إياها وقد مرت آنفا) وقال إنه لا يريد ذكرها رغبة عنها! لكنه لم يرغب ولم يعرض عن حديث مكذوب في أن عليا أراد أن يتزوج بنت أبي جهل، ولا أعلم ما الذي يدعوه للرغبة فيها وعنده سيدة نساء العالمين! وهو الذي يقول فيها ما أغضبتني ولا أغضبتها كما تقدم في فقرة الحديث عن زواجهما، وأراد ابن كثير أن يقول إن إغضاب فاطمة وإيذاءها لا يرتبط بما وقع بعد وفاة النبي وإنما هو بسبب علي بن أبي طالب الذي أراد أن يتزوج عليها! ونقل الحديث الذي زعمه عن رسول الله وأن فاطمة تفتن عن دينها! وأن النبي خيره بين أن يطلقها وبين أن يتزوج ابنة أبي جهل! ولم يلتفت في غمرة موقفه السيء من علي بن أبي طالب أنه بحديثه ذاك يذم فاطمة التي صورها بأهون صورة، فلم تعادل أي امرأة عادية تزوج عليها زوجها وتقبلت الأمر بصورة طبيعية! لكن (دين فاطمة) في رأي ابن كثير والمسور بن مخرمة[49] واضع الحديث هو من الضعف والهوان بحيث يتبخر هذا الدين لمجرد أن الزوج قد تزوج عليها! ولم يلتفت إلى أنه يذم رسول الله بذلك حيث أنه لم يلتزم بشريعته التي يباح فيها التعدد والزواج ولم يلتزم بسيرته الشخصية حيث تزوج على زوجاته باستثناء خديجة عليها السلام .
ثم بعد ذلك ذكر هذا النص مركزا فيه على النقاط التي ذكرناها أعلاه فقال:
«ولَمّا ماتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله سَألَتْ مِن أبِي بَكْرٍ المِيراثَ، فَأخْبَرَها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله قالَ: (لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا فَهُوَ صَدَقَةٌ). فَسَألَتْ أنْ يَكُونَ زَوْجُها ناظِرًا عَلى هَذِهِ الصَّدَقَةِ[50]، فَأبى ذَلِكَ وقالَ: إنِّي أعُولُ مَن كانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَعُولُ، وإنِّي أخْشى إنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِمّا كانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَفْعَلُهُ أنَّ أضِلَّ، وواللَّهِ لَقَرابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله أحَبُّ إلَيَّ أنْ أصِلَ مِن قَرابَتِي. فَكَأنَّها وجَدَتْ فِي نَفْسِها مِن ذَلِكَ، فَلَمْ تَزَلْ مُغْضَبَةً مُدَّةَ حَيّاتِها، فَلَمّا مَرِضَتْ جاءَها الصِّدِّيقُ، فَدَخَلَ عَلَيْها فَجَعَلَ يَتَرَضّاها، وقالَ: واللَّهِ ما تَرَكَتُ الدّارَ والمالَ والأهْلَ والعَشِيرَةَ، إلّا ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ ومَرْضاةِ رَسُولِهِ ومَرْضاتِكُمْ أهْلَ البَيْتِ. فَرَضِيَتْ..».
وقَدْ ثَبَتَ فِي (الصَّحِيحِ) أنَّ عَلِيًّا كانَ لَهُ وجْهٌ مِنَ النّاسِ حَياةَ فاطِمَةَ، فَلَمّا ماتَتِ التَمَسَ مُبايَعَةَ الصِّدِّيقِ فَبايَعَهُ»[51].
وفي المقابل فإن مصادر الإمامية تذكر أحداثا كثيرة، وفي كل حدث منها تفاصيل كثيرة، نشير إلى بعضها بالنحو التالي:
أولاً: تفصل هذه المصادر بين قضية ميراث الزهراء في فدك وبين منصب الخلافة والإمامة لعلي بن أبي طالب والذي نصبه فيه رسول الله بأحاديث كثيرة كان آخرها وأشهرها حديث الغدير وترى أن اختصار القضية في موضوع فدك أو الولاية عليها كما في بعض نصوص مدرسة الخلفاء هو تزوير للقضية.
هامش
49 ذكر العلامة السيد مهدي الخرسان في كتابه عليٌّ إمام البررة: أن أسانيد هذا الحديث تنتهي إلى ثلاثة كلهم من المنحرفين عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام, وهم: أبو هريرة الدوسي، وعبد الله بن الزبير، والمسور بن مخرمة. وهذا الأخير يكفي في “فضائله!!” ما قاله قال عروة بن الزبير أنه «لم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه” كما في تاريخ دمشق.
50 وكأن القضية نزاع على مال أو على ولاية الأرض وعائدها!
51 ابن كثير الدمشقي: البداية والنهاية 9/ 487- 490 وللقارئ أن يتساءل ما هو الارتباط بين تأخر بيعة علي كما قال وبين موت فاطمة ما دام الخليفة قد ترضاها فرضيت؟