بل لقد ألف بعضهم في هذا المبحث وأشار في فصل منه إلى حسن علاقة زوجة النبي عائشة على وجه الخصوص بفاطمة ليثبت فيه «أنَّ علاقة عائِشَة بفاطمة هي علاقة ود وحب ووئام واحترام وتقدير، ولم يَثْبت في الأحاديث الصحيحة أن واحدة منهما قد حملت شيئًا من البغض أو الكراهية تجاه الأخرى، بل أجمع أصحاب السير ورواة الأحاديث على أن الصلة بين عائِشَة وفاطمة كانت على أحسن ألفة، وأكمل مودة، كأسمى ما يكون من العلاقات بين الأحباء..»[42].
وفي المقابل فإن مصادر الإمامية ترى أن تلك العلاقة بين زوجة النبي عائشة وابنته فاطمة كانت مضطربة وأقرب إلى التشنج منها إلى الانسجام، فإنهم ينقلون كما عن الصدوق في الخصال أن عائشة كانت تزدري خديجة ولا ترى لها فضلا عليها وتنتقصها أمام ابنتها فاطمة مما أبكى ذلك فاطمة ودخل النبي في هذه الحال فانتصر لابنته فاطمة ولزوجته الراحلة خديجة وانتقد عائشة بحسب هذه المصادر [43].
بل تلاحظ هذه المصادر أن فاطمة أوصت ألّا يدخل عليها أحد، ولما جاءت عائشة لتدخل منعتها (أسماء بنت عميس الخثعمية) زوجة والدها أبي بكر، وأخبرتها كما أخبرته بأن هذه هي وصية فاطمة عليها السلام [44].
وكأنّ الأمر كان واضحا حتى أن غير الإمامية قد نقلوه في كتبهم ذلك، فبالإضافة إلى وصيتها السابقة التي نفذتها أسماء بنت عميس (بالرغم من تدخل الخليفة وهو زوجها أيضا) بمنعها من الدخول، ولولا أن الأمر كان جازما وواضحًا لما منعت بهذه الصورة، ولعله لهذا السبب لم تحضر عائشة عزاء فاطمة الزهراء، مع حضور باقي نساء النبي كما أورد ذلك في شرح النهج لابن أبي الحديد، فقد «قال: ثم ماتت فاطمة فجاء نساء رسول الله صلى الله عليه وآله كلهن إلى بني هاشم في العزاء إلا عائشة فإنّها لم تأتِ وأظهرت مرضاً»[45].
هامش
42 إجلاء الحقيقة في سيرة عائشة الصديقة 102/ ياسين الخليفة الطيب المحجوب.
43 الصدوق: الخصال ٤١٨ في رواية عن أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله منزله فإذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها وهي تقول: والله يا بنت خديجة ما ترين إلا أن لأمّكِ علينا فضلا وأي فضل كان لها علينا ما هي إلا كبعضنا، فسمع مقالتها فاطمة فلما رأت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وآله بكت فقال لها: ما يبكيك يا بنت محمد؟ قالت: ذكرت أمي فتنقصتها فبكيت، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: مه يا حميرا فإن الله تبارك وتعالى بارك في الولود الودود وإن خديجة رحمها الله ولدت مني طاهرا وهو عبد الله وهو المطهر، وولدت مني القاسم وفاطمة ورقية وأم كلثوم وزينب..إلى آخر الحديث.
44 الذهبي: سير أعلام النّبلاء 2/129 قالت فاطمة: ... إذا مت فغسِّليني أنتِ وعليٌّ، ولا يدخلن أحد عليَّ. فلما توفيت، جاءت عائشة لتدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر. فجاء، فوقف على الباب، فكلم أسماء. فقالت: هي أمرتني. قال: فاصنعي ما أمرتك، ثم انصرف وكذلك نقله السيوطي في جامع الأحاديث ٢٤/٤٥٠.
45 ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة٩/١٩٨ قال ابن الحديد: هذه خلاصة كلام الشيخ أبي يعقوب - ره - ولم يكن يتشيع.