عبد الرحمن يسأل هذا ويسأل ذاك عن الذي يريدونه ، وأخيراً يقول : « ما سألت عربيّاً إلّا وقال : علي ، وما سألت قرشيّاً إلّا وقال : عثمان » « 1 » .
ومعنى هذا أنّ جماهير المسلمين كانت تقول : علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وعشيرة واحدة معيّنة كانت تريد أن تغصب الحكم من الامّة كانت تقول : عثمان ؛ لأنّ عثمان كان تكريساً لعمليّة النهب ، بينما عليُّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) كان تعبيراً وتأكيداً لوجود الامّة في الميدان ، ولهذا أرادته الامّة ، وأرادت العشيرة عثمان .
ثمّ جاء عثمان ، وفي دوره تكشّفت المؤامرة أكثر وامتدّت أكثر ، أصبحت العشيرة تحكم وتقول بكلّ وقاحة بأنّ « المال مالنا ، والأرض أرضنا ، والخراج خراجنا ؛ إن شئنا أعطينا وإن شئنا حرمنا » « 2 » ، لكنْ كان كلّ هذا خارج نطاق الدستور ؛ لأنّ الصيغة في الدستور هي الصيغة الإسلاميّة ، وهي أنّ المال مال الله « 3 » ، والناس سواسية كأسنان المشط « 4 » .
هامش
( 1 ) « قال عمّار : إن أردتَ ألّا يختلف المسلمون فبايع عليّاً ، فقال المقداد بن الأسود : صدق عمّار ، إن بايعت عليّاً قلنا : سمعنا وأطعنا . قال ابن أبي سرح : إن أردت ألّا تختلف قريش فبايع عثمان » تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 232 : 4 - 233 .
( 2 ) ربما يقصد ( قدّس سرّه ) ما قاله عثمان لعامل صدقات المسلمين على سوق المدينة : « إنّما أنت خازنٌ لنا ، فإذا أعطيناك فخذ ، وإذا سكتنا عنك فاسكت . فقال : كذبت والله ! ما أنا لك بخازن ولا لأهل بيتك ، إنّما أنا خازن المسلمين » تاريخ اليعقوبي 168 : 2 . أو لعلّه يشير إلى قول سعيد بن العاص : « إنّما هذا السواد بستانٌ لأغيلمة من قريش » الطبقات الكبرى 23 : 5 ؛ أنساب الأشراف 433 : 5 ؛ تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 323 : 4 ؛ الكامل في التاريخ 139 : 3 .
( 3 ) وهو المفهوم الذي كرّسه عليٌّ ( عليه السلام ) في كتابه إلى الأشعث بن قيس : « وإنّ عملك ليس لك بطعمة ، ولكنّه أمانة في عنقك ، والمال مال الله ، وأنت من خزّاني عليه حتّى تسلّمه إليّ إن شاء الله ، وعليّ أن لا أكون شرَّ ولاتك » الإمامة والسياسة 111 : 1 . وانظر : نهج البلاغة : 183 ، الخطبة 126 . وقد تحوّل معاوية عن مفهوم عثمان إلى مفهوم علي ( عليه السلام ) ، ولكنّه أراد من ذلك « أن يحتجنه دون المسلمين » على ما ذكره ابن السوداء لأبي ذر ، فراجع : تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 283 : 4 .
( 4 ) البيان والتبيين 14 : 2 ؛ من لا يحضره الفقيه 379 : 4 ، الحديث 5798 ؛ الاختصاص : 341 .