أعلى « 1 » .
عمر لم يجرؤ [ على ] أن يبيّن هذا المفهوم صراحة ، عمر كان يريد أن يعيَّن الحاكم من أعلى ، لا أن تفكّر الامّة في تعيين هذا الحاكم كما فكّرت في ذلك بعد وفاة رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ، ذلك التفكير المشؤوم .
عمر بعد ذلك عبّر عمّا يريد صراحة حينما طُعن ؛ حيث جاءه المتملّقون وقالوا له : « ينبغي أن توصي يا أمير المؤمنين ، ولا ينبغي أن تترك امّة محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) هملًا » « 2 » ، عندئذٍ عيّن ستّة أشخاص « 3 » . صحيحٌ أنّه لم يجرأ على تعيين واحد ، وصحيحٌ أنّه أعطى الامّة وجوداً ناقصاً حينما حصر الأمر في ستّة أشخاص عليهم أن يعيّنوا واحداً منهم ، ولكنّه في هذا كان ينفّذ المؤامرة ، المؤامرةَ التي كانت تنفّذ بالتدريج على وجود هذه الامّة وكيانها وإرادتها .
عبد الرحمن بن عوف - الذي كان هو قطب الرحى في هؤلاء الستّة - لم يستطع أيضاً أن يطفئ دور الامّة ، ولم يحلّ المشكلة عن طريق التفاوض في ما بين هؤلاء الستّة في اجتماع مغلق ، وإنّما ذهب يستشير الامّة ، ويسأل المسلمين عن الذي يرشّحونه من هؤلاء الستّة .
إلى هنا كانت الامّة لا تزال تحتفظ بدرجة من وجودها ؛ بحيث إنّ صنيعة عمر بن الخطّاب لم تُغفِل وجودَ الامّة .
هامش
( 1 ) ولذلك ورد في تتمّة كلام عمر : « فمن بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين فإنّه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه تغرّة أن يقتلا » السيرة النبويّة ( ابن هشام ) 658 : 2 ؛ تاريخ الإسلام 8 : 3 ، أو « فمن عاد لمثلها فاقتلوه » تاريخ اليعقوبي 158 : 2 ؛ البدء والتاريخ 190 : 5 .
( 2 ) قالت عائشة لعبد الله بن عمر : « يا بني ! أبلغ عمر سلامي ، وقل له : لا تدع امّة محمّد بلا راع ، استخلف عليهم ، ولا تدعهم بعدك همّلًا ؛ فإنّي أخشى عليهم الفتنة » الإمامة والسياسة 42 : 1 .
( 3 ) « . . ولكنّي سأستخلف النفر الذين توفّي رسول الله وهو عنهم راض ، فأرسل إليهم فجمعهم ، وهم : علي بن أبي طالب وعثمان بن عفّان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليهم ، وكان طلحة غائباً » الإمامة والسياسة 42 : 1 ؛ أنساب الأشراف 500 : 5 ؛ تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 228 : 4 .