كان لا بدّ أن تستمرَّ هذه الرسالة ، لكن تستمرّ بشكلٍ هيّنٍ ليّن ، بشكلٍ ينفتح على مطامع أبي سفيان ، بشكلٍ يُمكن أن يتفاعل معه أبو سفيان .
أبو سفيان الذي جاء إلى عليٍّ ( عليه السلام ) في لحظةٍ قاسية ، تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان عادةً بقدر كبيرٍ من المظلوميّة ، في لحظةٍ خانه فيها المسلمون وتآمروا عليه وتنكّروا لكلّ جهاده وأمجاده ، حتّى أنكروا اخوّته لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) « 1 » . . . في تلك اللحظة جاءه أبو سفيان يعرض عليه القيادة بين يديه ، يعرض عليه أن يُزَعِّمه في سبيل أن يكون هو اليدَ اليمنى للدولة الإسلاميّة . يأبى علي ( عليه السلام ) ، يأبى وهو مظلوم ومتآمَرٌ عليه ومضطهدٌ حقُّه « 2 » ، ثمّ يذهب أبو بكر وعمر إلى أبي سفيان ويتعاملان معه ، ويولّيان أولاده على بلاد المسلمين « 3 » .
هذا هو الاستمرار الهيّن الذي كانت مصالح المنافقين تطلبه وقتئذٍ . وبهذا كانت قيادة علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وزعامته تمثّل خطراً على هذه المصالح .
3 - العامل الأخلاقي والنفسي :
والعامل الثالث هو عامل يرتبط بعوامل نفسيّة خُلُقيّة « 4 » :
عليُّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) كان يمثّل استمراراً وتحدّياً - بوجوده التكويني - للصادقِين من الصحابة لا المنافقين ، وذلك بجهاده ، بصرامته ، باستبساله ،
هامش
( 1 ) في قول الخليفة الثاني له ( عليه السلام ) : « أمّا عبد الله فنعم ، وأمّا أخو رسوله فلا » الإمامة والسياسة 31 : 1 .
( 2 ) « لمّا اجتمع الناس على بيعة أبي بكر ، أقبل أبو سفيان وهو يقول : والله ! إنّي لأرى عجاجةً لا يطفئها إلّا دم . يا آل عبد مناف ! فيمَ أبو بكر من أموركم ؟ أين المستضعفان ؟ اين الأذلّان عليٌّ والعبّاس ؟ وقال : أبا حسن ! ابسط يدك حتّى أبايعك » تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 209 : 3 ؛ شرح نهج البلاغة 2 : 44 .
( 3 ) « لمّا استخلف أبو بكر قال أبو سفيان : ما لنا ولأبي فصيل ، إنّما هي بنو عبد مناف . . فقيل له : إنّه قد ولّى ابنك ، قال : وصلته رحم » تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 209 : 3 .
( 4 ) راجع بعض ما يرتبط بهذا العامل : فدك في التاريخ : 49 ، [ دوافع الخليفة الأوّل في موقفه ] .