والجواب عنه أنا نختار أن المحكي في كلام الناقل هو الحكم الواقعي ، ولا منافاة بين صدق الواقعي والظاهري كليهما على حكم المستنبط « 1 » أعم من كونه قاطعا بالحكم أم ظانا به ، لأن الحكم الظاهري إنما يحصل للمجتهد بعد اعتقاده لكون ما استنبطه حكما واقعيا وبناءه على ما اعتقده ، فالحكم الظاهري ليس ثابتا للمستنبط قبل استنباطه أصلا وإنما يحصل له بسبب استنباطه وبناءه عليه ولذا يتعدد بتعدد رؤوس المستنبطين المختلفين ، ومن جهته قد وقع التصريح في كلمات جمع من المحققين بأن مذهب الإمامية وإن كان تخطئة التصويب بالنسبة إلى الأحكام ، إلا أنهم كلهم قائلون بالتصويب بالنسبة إلى الأحكام الظاهرية لأنها مسبب عن استنباط المجتهدين ، فاجتهاد المجتهدين محصل لها وليس كاشفا عنها ومن هنا يظهر الوجه فيما قيل من أن ظنية الطريق لا ينافي قطعية الحكم لأن القضية الأولى بالنسبة إلى الحكم الواقعي والثانية بالنسبة إلى الحكم الظاهري ، فالمجتهد في مقام الاستنباطات الظنية ظان وهو الذي يكون عليه مبنى اجتهاده ومن جهته يطلق عليه المجتهد وباعتباره يعد من المخطئة في صورة خطئه وفي مقام الحكم الظاهري الذي يحصل له من اجتهاده قاطع بأن ما حصل من استباطه هو حكمه نظر إلى الكبرى الإجماعية المحققة في محلها ، ومن جهته يطلق عليه الفقيه لأنه المناسب لموضوع الفقه وبذاك الاعتبار لا يتصور في حقه الخطأ ولذا جعل بعضهم معنى العلم في تعريف الفقه بالإجماع بالعلم بالأحكام باقيا على حقيقته وتصرف في الحكم بجعله أعم من الواقعي والظاهري ، وبه رفع الإشكال الوارد على عكس [ الصفحة 61 ] التعريف بخروج مظنونات المجتهدين .
وبالجملة فالمحكي عن أهل الإجماع في كلام الناقل إنما هو ما اعتقده ولا يخفى أن معتقده الحكم الواقعي من حيث أنه معتقده ، غاية الأمر أن الحكم الذي صدر من الإمام في جملة المجمعين لا يتخلف عما هو ثابت في نفس الأمر بخلاف الحكم الصادر عن غيره منهم ، وهذا أمر آخر لا ينافي كون نظر الجميع إلى الحكم الواقعي ثم أيضا ما يمكن أن يورد بها في المقام أن الإجماعات المنقولة التي تداول التمسك بها ليست من قبيل الخبر المعتبر الإجمالي الذي أقيم الدليل على حجيته ، لأنها مأخوذة من كتب القوم ومصنفاتهم ، بل لم نر من تمسك بالإجماع المنقول اللفظي على وجه مستند إلى السماع من ناقله على وجه رواية الأخبار التفصيلية ، ولا يخفى أن المأخوذ من الكتب خطوط ونقوش وليس من قبيل اللفظ والكلام فليس بخبر ولا يصدق عليه النبأ والخبر وما في معناهما في شيء من اللغة والعرف والاصطلاح ، ويصح سلب الخبر وما يرادفه عنه في جميع هذه المخاطبات لأن الخبر وما معناه كلام خاص قد تعرض أهل العربية والأصول لتعريفه واتفقوا على كونه من قبيل الألفاظ ، فما دل الدليل عليه غير ثابت وما ثبت غير ما دل الدليل على حجيته .
هامش
( 1 ) كتب في الحاشية عند هذه الكلمة عبارة : " من جهتين " .