وثانيا : أن الرجوع في حكاية الإجماع إلى نقل مقالة المعصوم عليه السّلام لرجوع الناقل في ذلك إلى الحس ، باعتبار أن الاتفاق من آثارها ، ولا كلام في اعتبار مثل ذلك ، كما في الإخبار بالإيمان والفسق [ الصفحة 201 ] والشجاعة والكرم وغيرها من الملكات ، وإنما لا يرجع إلى الأخبار في العقليات المحضة ، فإنه لا يعول عليها وإن جاء بها ألف من الثقات حتى يدرك مثل ما أدركوا .
ثم أورد على ذلك : بأنه يلزم من ذلك الرجوع إلى المجتهد ، لأنه وإن لم يرجع إلى الحس في نفس الأحكام إلا أنه رجع في لوازمها وآثارها إليه ، وهي أدلتها السمعية ، فيكون رواية ، فلم لا يقبل إذا جاء به الثقة .
وأجاب : بأنه إنما يكفي الرجوع إلى الحس في الآثار إذا كانت الآثار مستلزمة له عادة ، وبالجملة إذا أفادت اليقين ، كما في آثار الملكات وآثار مقالة الرئيس وهي مقالة رعيته ، وهذا بخلاف ما يستنهضه المجتهد من الدليل على الحكم . ثم قال : على أن التحقيق في الجواب عن السؤال الأول هو الوجه الأول ، وعليه فلا أثر لهذا السؤال « 1 » ، انته .
قلت : إن الظاهر من الإجماع اتفاق أهل عصر واحد ، لا جميع الأعصار كما يظهر من تعاريفهم وسائر كلماتهم ، ومن المعلوم أن إجماع أهل عصر واحد - مع قطع النظر عن موافقة أهالي الأعصار المتقدمة ومخالفتهم - لا يوجب عن طريق الحدس العلم الضروري بصدور الحكم عن الإمام عليه السّلام ، ولذا قد يتخلف ، لاحتمال مخالفة من تقدم عليهم أو أكثرهم . نعم يفيد العلم من باب وجوب اللطف الذي لا نقول بجريانه في المقام ، كما قرر في محله « 2 » .
[ الصفحة 202 ]
مع أن علماء العصر إذا كثروا - كما في الأعصار السابقة - يتعذر أو يتعسر الاطلاع عليهم حسا بحيث يقطع بعدم من سواهم في العصر ، إلا إذا كان العلماء في عصر قليلين يمكن الإحاطة برأيهم في المسألة فيدعى الإجماع ، إلا أن مثل هذا الأمر المحسوس لا يستلزم عادة لموافقة المعصوم عليه السّلام .
فالمحسوس المستلزم عادة لقول الإمام عليه السّلام مستحيل التحقق للناقل ، والممكن المتحقق له غير مستلزم عادة .
وكيف كان : فإذا ادعى الناقل الإجماع خصوصا إذا كان ظاهره اتفاق جميع علماء الأعصار أو
هامش
( 1 ) الوافي في شرح الوافية ( مخطوط ) : الورقة 150 .
( 2 ) انظر القوانين 1 : 353 ، والفصول : 245 - 246 .