وعرفت أن الحدس قد يستند إلى مبادئ محسوسة ملزومة عادة لمطابقة قول الإمام عليه السّلام ، نظير العلم الحاصل من الحواس الظاهرة ، ونظير الحدس الحاصل لمن أخبر بالعدالة والشجاعة لمشاهدته آثارهما المحسوسة الموجبة للانتقال إليهما بحكم العادة ، أو إلى مبادئ محسوسة موجبة لعلم المدعي بمطابقة قول الإمام عليه السّلام من دون ملازمة عادية ، وقد يستند إلى اجتهادات وأنظار . وحيث لا دليل على قبول خبر العادل المستند إلى القسم الأخير من الحدس ، بل ولا المستند إلى الوجه الثاني ، ولم يكن هناك ما يعلم به كون الإخبار مستندا إلى القسم الأول من الحدس ، وجب التوقف في العمل بنقل الإجماع ، كسائر الأخبار المعلوم استنادها إلى الحدس المردد بين الوجوه المذكورة .
فإن قلت : ظاهر لفظ ( الإجماع ) اتفاق الكل ، فإذا أخبر الشخص بالإجماع فقد أخبر باتفاق الكل ، ومن المعلوم أن حصول العلم بالحكم من اتفاق الكل كالضروري ، فحدس المخبر مستند إلى مباد محسوسة ملزومة لمطابقة قول الإمام عليه السّلام عادة ، فإما أن يجعل الحجة نفس ما استفاده من الاتفاق نظير الإخبار بالعدالة ، وإما أن يجعل الحجة إخباره بنفس الاتفاق المستلزم عادة لقول الإمام عليه السّلام ، ويكون نفس المخبر به حينئذ محسوسا ، نظير إخبار الشخص بأمور تستلزم العدالة [ الصفحة 200 ] أو « 1 » الشجاعة عادة .
وقد أشار إلى الوجهين بعض السادة الأجلة « 2 » في شرحه على الوافية ، فإنه قدس سره لما اعترض على نفسه : بأن المعتبر من الأخبار ما استند إلى إحدى الحواس ، والمخبر بالإجماع إنما رجع إلى بذل الجهد ، ومجرد الشك في دخول مثل ذلك في الخبر يقتضي منعه ، أجاب عن ذلك : بأن المخبر هنا - أيضا - يرجع إلى السمع فيما يخبر عن العلماء وإن جاء العلم بمقالة المعصوم من مراعاة أمر آخر ، كوجوب اللطف وغيره . ثم أورد : بأن المدار في حجية الإجماع على مقالة المعصوم عليه السّلام ، فالإخبار إنما هو بها ، ولا يرجع إلى سمع . فأجاب عن ذلك :
أولا : بأن مدار الحجية وإن كان ذلك ، لكن استلزام اتفاق كلمة العلماء لمقالة المعصوم عليه السّلام معلوم لكل أحد لا يحتاج فيه إلى النقل ، وإنما الغرض من النقل ثبوت الاتفاق ، فبعد اعتبار خبر الناقل - لوثاقته ورجوعه في حكاية الاتفاق إلى الحس - كان الاتفاق معلوما ، ومتى ثبت ذلك كشف عن مقالة المعصوم ، للملازمة المعلومة .
هامش
( 1 ) في ( ت ) ، ( ر ) ، ( ص ) و ( ه ) بدل " أو " : " و " .
( 2 ) هو السيد المحقق الكاظمي المعروف بالسيد الأعرجي .