الإجماع ولو لتلك الرواية لقطعهم بصحة صدورها وبمراده منها فمجازفة واضحة إذ بعد تسليم وثاقة المجمعين وورعهم والتزامهم بعدم التخطّي عن منهج الشريعة وخلوصهم من الدواعي النفسانية من حبّ الرئاسة والطمع في منصب الإمارة أو بعض أهل الحق المنبعث من شقوتهم الذاتية وخبث فطرتهم الأصلية مع أن الكل ممنوع والآثار المنقولة سند واضح عليه فلم لا يجوز أن يكونوا قد عولوا على تلك الرواية من حيث كونها خبر آحاد وأنه حجة كما في سائر المسائل الشرعية وأن ظاهر اللفظ يقتضي ذلك فلا يعدل عنه من غير قرينة ، كيف لا وقد كان أكثرهم عواما همجا رعاعا وقد أنكر عليهم ذلك أولو الدراية والبصيرة التامة كعلي عليه السّلام وسلمان وأبي ذر ومقداد فلم ينفع فيهم الإنكار وأصرّوا على المعاندة والاستكبار حتى أنهم ألزموهم بها بالتحذير والتخويف ، ولو كان غرضهم عدم التخطّي عن جادة الشريعة لما سلكوا هذه الطريقة الشنيعة مضافا إلى منكرات أخر صدرت منهم كغصب فدك ورد شهادة أهل العصمة وضرب عمار ونفي أبي ذر وطبخ المصاحف إلى غير ذلك مما يشهد به الرجوع إلى الكتب المعروفة والأسفار المشهورة .
وأمّا من تأخر عنهم فإن صح قطعهم بحجية الإجماع فإنما هو قطع عمّا غايته إثبات الظن في حق من قبلهم مع قلة الواسطة وقرب العهد .
وبالجملة فليس لهم في تأصيل مذهبهم مستند إلّا الإجماع ولا لهم دليل على حجية الإجماع يصلح للذكر إلّا هذه الروايات المقدوحة سندا ودلالة لأن كتبهم وطواميرهم مشحونة بذلك ولو كان لهم دليل أقوى ومستند أجلى لذكروه وانتصروا به إذ طال ما تشاجروا في تصحيح مذهبهم الفاسد وترويج طريقهم الكاسد فلم يزيدوا على ذلك شيئا يكون أقوى دلالة وأوضح إفادة .
ولقد أفرط بعض سفهاء هؤلاء القوم وسفلتهم فادعى الضرورة على حجيّة الإجماع والظاهر أنه لما ضاق عليه المجال وانقطع به طريق الاستدلال استراح بجعل الدعوى ضرورية خوفا من شناعة الإلزام ومحافظة على أساس دين آبائه وكبرائه من الانهدام ، وإلّا ففساد هذه الدعوى في المقام مما لا يكاد يشتبه على أحد من الأنام .
واحتج منكروا الإجماع بوجوه سخيفة غير صالحة لأن تذكر فالصفح عنها أولى وأجدر ، بقي في المقام مباحث مهمّة لا بد من التنبيه عليها ، الأول : ذهب بعض العامّة إلى امتناع الاطلاع على الإجماع في غير زمن الصحابة نظرا إلى انتشار العلماء في أقطار الأرض وعدم إمكان الإحاطة بهم والوقوف على آرائهم ، وأمّا في زمن الصحابة فقد كان الاطلاع عليه ممكنا لقلّة المسلمين
إجماعات فقهاء الإمامية — صفحة 214
مساهمون: السيد أحمد الموسوي الروضاتي
ص٢١٤